أدب جبران يحاكي أسلوب الكتاب المقدس

قبل فترة ليست بالوجيزة، شاهدت عن طريق الصدفة إحدى حلقات مسلسل حكايا مرايا، للممثل القدير ياسر العظمة، وصدمت حين سخر العظمة سخرية مباشرة من الأديب العربي جبران خليل جبران، عندما قال: «بلا جبران بلا مبران، أنا لا أقتنع بالأدباء الذين يقومون بلملمة الأقوال، ويقومون بعصر مخهم من أجل استخراج حكمة أو موعظة»، ثم تابع: «أكره أساليبهم لأن أساليبهم مدرسية بحتة»، ورغم علمي أن الفنان ياسر العظمة قارئ نشيط في مجال الأدب العالمي، ويستقي الكثير من لوحات مسلسله منه، فإنني لم أكترث لكلامه، نظرًا إلى طبيعة المسلسل الساخرة، والتي لا يمكن عدها مرجعًا لنقد أديب كبير مثل جبران يحظى بسمعة عالمية، وتعد كتبه من الأكثر مبيعًا في العالم، كما أنني في حينها لم أكن مطلعًا سوى على كتاب واحد، قرأت أجزاء بسيطة منه مجبرًا حين كنت طفلًا؛ لأن أستاذ اللغة العربية أجبرنا على شراء الكتاب، من أجل تنمية مهاراتنا اللغوية.

لكن الصدمة الكبيرة كانت لاحقًا، حين قرأت منشورًا على موقع التواصل الاجتماعي «الفيسبوك»، لأستاذ التاريخ الإسلامي والشرق أوسطي في جامعة لويزيانا التقنية، أحمد نظير الأتاسي، إذ وصف كتابات جبران بأنها أدب أطفال وتقليد للأناجيل. والحقيقة أن منشور الأتاسي استوقفني كثيرًا، فالرجل يتحدث العربية والفرنسية والإنجليزية، فأصله عربي، وقد درس الهندسة بالفرنسية، ويدرس حاليًا في أمريكا، كما أنه تخصص في دراسة اللغات القديمة كالعبرية، والفارسية، والسريانية والآرامية، مما يعني أننا أمام رجل مثقف ومختص، وليس قارئًا عابرًا أحب التعبير عن رأيه، أو يطلب إثارة الجدل، ولذلك سألت الدكتور عن سبب الضجة الكبيرة التي تحظى بها كتب جبران إذا كانت كتبه بهذا المستوى الأدبي، لأكتشف أن الضجة لم تنطلق من العالم العربي أساسًا، بل بدأت من أمريكا، فجزء لا بأس من كتب جبران كُتب بالإنجليزية ثم ترجم لاحقًا للعربية، ولكي أكون صادقًا فإن تبرير الدكتور، لشهرة كتب جبران بأنها مبنية على المراهقين، أصحاب المستوى اللغوي المتواضع لم تقنعني كثيرًا.

ولذلك قررت أن أطلع بنفسي على مضمون كتب جبران ثم أحكم عليها، طبعًا ليس بصفة الناقد، فلست أديبًا ولا أدعي ذلك، بل كقارئ عادي، وهنا واجهت مشكلة كبيرة فكتاب «النبي»، وهو أشهر كتب جبران، هو عبارة عن أشعار إنجليزية ترجمت إلى العربية، وهو ما يعني أن الترجمة مهما كانت رائعة وقوية فإنها لن تستطيع أن تعكس الجمال اللغوي لكتابات جبران، فاللغة الشعرية في العربية مختلفة تمامًا عن الإنجليزية، تخيل مثلًا لو ترجمنا أشعار المتنبي أو حتى نزار قباني إلى الإنجليزية، كيف سيكون شكلها، وهل ستعكس فعلًا جمال الأشعار بالعربية، بالتأكيد فإن الإجابة لا.

وهنا لا بد أن أشير أيضًا، أني لست متذوقًا للأدب الإنجليزي، وبالتالي فإن الحكم سيصبح صعبًا بالنسبة لي إن لم يكن مستحيلًا، ولذلك قررت اللجوء إلى قراءة الكتب التي كتبت بالعربية، والاطلاع على النقد الغربي للكتب التي كتبت باللغة الإنجليزية، كونه محايدًا ومنصفًا، على عكس العربي الذي يزخر بعبارات المديح والتلميع. وبصرف النظر عن النجاح الهائل الذي حققته كتب جبران على مستوى المبيعات، فإن نقد الأتاسي، لم يخل من الحقيقة، فأسلوب جبران الأدبي يحاكي إلى حد التطابق، أسلوب الكتاب المقدس، صحيح أن الكتاب المقدس كان وما يزال أحد أهم مصادر الأدب الغربي، لكن أسلوب الكتاب المقدس الأدبي، وكذلك كتب جبران، يمكن تصنيفها على أنها أدب من الدرجة الثانية، فهي حتى وإن كانت جميلة وجاذبة للقارئ البسيط، لا يمكن أن ترقى بأي حال من الأحوال إلى مصاف الأدب العالمي المبهر، هذا من جانب.

أما من الجانب الآخر، فإني اكتشفت من خلال اطلاعي على المراجعات الغربية لكتابات جبران، أنه لا يحظى بالنظرة ذاتها الموجودة في العالم العربي، فأساتذة الأدب الإنجليزي في الجامعات الأمريكية، يرفضون تدريس كتبه، بل إن كثيرًا من المؤسسات الأدبية في الغرب، أن كتاب «النبي» هو كتاب ساذج مفرغ من الجوهر والمضمون. بالطبع لا يمكن لهذه الحقائق وهذا النقد، أن تنفي نجاح كتب جبران، التي ترجم بعضها إلى أكثر من 50 لغة، وألهمت كتاب الأغاني والخطب السياسية، وجعلت الكثيرين يستخدمون مقتطفات منه في مراسم الزواج والجنازات حول العالم، ولكن هذا النجاح الشعبي لا يعني بالضرورة أن لغة الكتاب كانت شيئًا بديعًا ولا يتكرر، فالنجاح الشعبي والإعلامي تحكمه ظروف وضوابط قد لا يكون لها علاقة بجودة الإنتاج، فأحيانًا يمكن أن تحظى أغنية أو كتاب بشهرة منقطعة النظير بدون سبب واضح، وهذا مع الأسف يحدث كثيرًا في عالمنا، فقبل فترة طويلة قرأت أحد كتب التفسير التي يحظى صاحبها بشعبية جارفة، وفوجئت أن الكتاب عادي جدًّا ولا يستحق كل هذه الضجة، ولكن المكانة التي قد يصلها الكتاب أو صاحبه في عيون مؤيديه، وأحيانًا العواطف، تجعل من انتقاده مهمة شبه مستحيلة، مع أن الأصل أن الإعجاب بالكتاب من عدمه، ترجع في النهاية لذوق القارئ، وأن النقد حق للجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد