أنس خالد 30
أنس خالد 30

من الناس من يسألون كثيرًا عن أشياء تشغلهم، ويلحقون السؤال بالسؤال، وهي خصلة من الخصال الذميمة التي ينبغي أن ينزه المرء نفسه منها.

وفي تراثنا العربي نقل الجاحظ قصة الجارية التي كانت تلح بمسألتها على أمها حولًا بعد حول، والتي كان من قدر الأم أن تلقى نهايتها الموجعة بعد إجاباتها! وقبل هذا فإن للجاحظ مقدرة قوية وفذة في إثارة التشويق في سائر ما يسرد من قصص في ثنايا كتبه الأوابد، وهي مقدرة قل أن تتحقق لدى كثير من الناس، وإذا أضفنا إلى ذلك أنه من أعلام الفصاحة والبيان، فإن أي قارئ على الأرجح لن يدع السطور حتى يصل إلى نهايتها.

القصة التي أنقلها لك عزيزي القارئ، والتي يرويها الجاحظ على لسان أبي الحسن المدائني تحتوي على ما ذكرته من التشويق، إلا أنني تصرفت في بعض الكلمات التي أستحي من نقلها، وبدلتها بكلمات غيرها، وضعتها بين قوسين، ولا أدري حقيقة كيف طاوعت الجاحظ نفسه فيها!

قال أبو الحسن المدائني: قالت جارية لأمها ليلة زفافها: يا أمه إن سألت ربي أن يجعلني مثل امرأة الفيل أتطمعين أن يفعل ذلك؟ قالت: يا بنية قد سألت عن هذه المسألة أمي فذكرت أنها سألت عنها أمها فقالت: لا يجوز ذلك إلا أن يجعل الله جميع نساء الرجال مثل نساء الفيلة، قال: فسكتت عنها حولًا ثم قالت: فإن سألت ربي أن يجعل نساء جميع الرجال مثل نساء الفيلة أتطمعين أن يفعل ذلك؟

قالت: يا بنية قد سألت عن مثل هذه أمي فذكرت أنها سألت أمها عنها فقالت: لا يجوز ذلك إلا أن يجعل الله جميع رجال النساء مثل رجال نساء الفيلة، قال: فسكتت عنها حولًا ثم قالت: فإن سألت ربي أن يجعل جميع رجال النساء مثل جميع رجال نساء الفيلة أتطمعين أن يفعل ذلك؟ قالت: يا بنية، قد سألت عن هذه المسألة أمي فذكرت أنها قد سألت أمها عنها، وأنها قالت: يا بنية، إن الله إن جعل جميع الناس فيلة لم تجد امرأة الفيل مع عظم بدنها إلا مثل ما تجدين أنت اليوم مع زوجك، ثم يذهب عنك جميع ما لك اليوم، قال: فسكتت حولًا ثم قالت: يا أمه، إن سألت ربي أن يجعل «شيء» الفيل أعظم أتطمعين أن يفعل ذلك؟

قالت الأم: أي بنية، قد سألت عن هذه المسألة أمي فذكرت أنها سألت عنها أمها، وأنها قالت: أي بنية، إن الله إن جعل «شيء» الفيل أعظم، جعل «شيء» امرأة الفيل أوسع وأعظم، فيعود الأمر كله إلى الأمر الأول، قال: فسكتت عنها حولًا ثم قالت: يا أمه فإن سألت ربي أن يجعل الفيل أشد «عشقًا» أتطمعين أن يفعل ذلك؟ قالت: أي بنية، قد سألت عن هذه المسألة أمي فذكرت أنها سألت أمها عنها، وأنها قالت: أي بنية سلي الله أن يجعل زوجك أشد «عشقًا» مما هو عليه، ولكن لا تسأليه ذلك حتى تسأليه أن يزيدك في «عشقك» قالت: يا أمه، فإن سألت ربي أن يجعله في مثل «عشق» التيس أتطمعين أن يفعل ذلك؟

قالت: أي بنية، قد سألت عن مثل هذه المسألة أمي فذكرت أنها سألت عنها أمها، وأنها قالت: لا يجوز أن يجعله في «عشق» التيس حتى يجعله تيسًا، قالت: يا أمه، فإن سألت ربي أن يجعله تيسًا أتطمعين في ذلك، قالت: أي بنية، إنه لا يجعله تيسًا حتى يجعلك عنزًا، قالت: يا أمه فإن سألته أن يجعله تيسًا ويجعلني عنزًا أتطمعين أن يفعل ذلك؟ قالت أي بنية قد سألت عن هذه المسألة أمي فذكرت أنها زارت أمها لتسألها عن هذه المسألة فوجدتها في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، وما أشك أن يومي قد دنا.

فلم تلبث الأم إلا أيامًا حتى ماتت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

  • كتاب (الحيوان) الجاحظ

تعليقات الفيسبوك