ذهبت إلى محطة القطار للسفر إلى إحدى مدن الجمال في مصر للسؤال عن مصلحة ومنها التنزه لساعات قليلة بعد قضاء المصلحة ثم العودة، فقمت بسؤال الكمسري الذي يقوم بقطع التذاكر على أي مكان سينطلق منه القطار، فقال لي من رصيف 8 الساعة 8.35، فكنا نسكن ذلك الوقت وعندما وصلت إلى الرصيف الدال عليه وجدت قطارًا ولكنه ذاهب إلى بورسعيد والساعة كما ذكر هي 8:35 ولكن القطار الذي سينطلق إلى بورسعيد سيتحرك 8:45، فقمت بسؤال العديد كالعادة كيف ذلك وأين القطار المتجه إلى الإسكندرية، أحدهم قال لي سوف ينطلق من الرصيف المقابل وهو رصيف رقم 9، فتحركت مسرعًا توجهًا إليه ولكن وجدت القطار آتيًا من الجهة العكسية، كيف ذلك، وكيف يأتي قطار عكسه على نفس الخط، فقامت فتاة بسؤالي، أين قطار الإسكندرية؟!

أنت رايح إسكندرية أصلًا؟

هي فتاة في مرحلة الثانوية العامة، فقد لقطتها منذ أن كنت على الرصيف المقابل قبل أن أذهب إلى الرصيف الخطأ العكسي، وقد كنت مستغربًا، هل هناك مدارس يقومون بالسفر إليها؟ لربما أن أحدًا معها وذهب ليأتي بشيء.

لكن عندما ذهبت إلى الرصيف الخطأ فقمت بالجلوس بيني وبينها مقعد، إلى أن جاء آخر وقام بالاستئذان مني لكي يجلس بجوار والدته التي كانت تجلس بجواري على الجانب الآخر، وقد نفذت، فبعد قليل من اقترابي، قامت بسؤالي الذي قد ذكرته سابقًا، هل ذاهب مثلي، قلت نعم، ولكن أين ذلك وكيف يأتي؟!

فقالت سيأتي هنا، قلت لها إذًا فَلْنَرَ.

وإذ تعلن الإذاعة الداخلية، بأن القطار قادم على رصيف 8 متأخرًا عن ميعاده، قلت لها ذلك صحيح وما أخبرني عليه الكمسري عند شراء تذكرتي.

فقالت هلمّ بنا ننتقل إلى الرصيف الآخر 8 حتى نتمكن من ملاحقة مكان.

ثم ركبنا القطار.

أمامنا البعض، بجوار كل منا رجل، لم نتفوه بكلمة، وما زلت أتساءل بيني وبين نفسي عليها كيف ولماذا وإلى أين ومع ذلك لا يعنيني في شيء، ما إلا فضول.

ثم أخذ كل رجل النزول في محطتهم المرادة، وقد كان القطار قد أصبح به عدد أقل لدرجة الجلوس براحتنا لتناول الحديث مع بعضنا البعض وإرضاء فضولي، إذ هي تريد أن تفضي ما بها لكي تعرف ما إذا كان ما تفعله صحيحًا أم ماذا؟

الآن هي تحكي.

أنا فلانة الفلاني، في مرحلة الثانوية العامة، أدرس في إحدى المدارس الخاصة، قد قام مدير المدرسة بضربي ومعاقبتي أنا وأخرى، قلت لها لماذا، قالت إنه قد رآهما مع مجموعة في السينما يشاهدون أحد الأفلام، قلت لها وما يخصه هو؟ لطالما أن ذلك الأمر خارج عن إدارته، فقالت لا أعلم.

وأخذت تكمل، هذا بغير أن الأخصائية الاجتماعية قامت بإجبارها على كتابة اعترافات لم تقم بفعلها على حد قولها، ومنها أنها تريد أن تتزوج من أحد الشباب الذين كانوا متواجدين معهما. وتبحث عن طريقة…

ثم أكملت مازحة، مع ذلك ابنته من الممكن أن تعود إلى البيت مع الساعة الثانية بعد منتصف الليل.

ثم إني بالفعل أحب شخصًا ويحبني وقد طلبني ولكن قد رفضوه أهلي لأنه مصاب بذلك المرض اللعين الخبيث الذي يجعل عمره سنين معدودة، ومع ذلك أحبه ويحبني إلى الآن.

هذا وغير، أن والدي ووالدتي يتهمانني دائمًا بالجنون وقاموا بتركي في إحدى المصحات وقد وصلت للانتحار داخلها ولكن قاموا بربطي حتى لا أتمكن مرة أخرى من فعل ذلك، وإلى الآن يقومون بتهديدي لإدخالي مرة أخرى إلى المصحة.

فقامت بسؤالي، هل تراني مجنونة فعلًا؟ قلت لها تلك فعلتك هي مجنونة، ولكن كشخصك لست بذلك إطلاقًا.

هذا وقد كانت تتواصل مع بعض زملائها لكي تعرف ماذا دار هنا وهناك وعلمت أن زميلتها قد تم رفضها وكانت تريد أن تذهب إليها ومعها.

وأخذت تبحث عن أصدقاء لها لكي تجد مأوى لها، لكي تبني حياة بمفردها من عمل ومعيشة بعيدًا عن كل تلك الأفعال التي دمرت نفسيتها، ولكنها ليست بمجنونة كما يدعون، أخبرني إياك، أنا بمجنونة أستحق المصحة، لا، لا، هم من يستحقون ذلك، ومن بعد ذلك السجن كعقاب على تضييع بنت من زهرة حياتها، قالت لا، ما عدا أبي وأمي بالرغم من..

لا بأس سأساعدك إذا كنت تريدين ولكن أريد أن تهدئي وتفكري عن تلك الحياة التي تقدمين عليها، ليس لديكِ بطاقة تعريف شخصيتك وكونك في سن قاصر فهذا سيكون صعبًا عليكِ في أمور كثيرة.

قالت لا تعقدني فأنا أعرف أشخاصًا كثيرين قادرين على مساعدتي وكانت طوال تلك الفترة على تواصل إلى أن وصلنا معًا، ولكن لم نقابل منهم أحدًا إلى المساء بعد فعلنا وحاولنا جميع المحاولات، وأبيت أن أتركها مشردة في الشوارع قد لا تجد مأوى، والمعظم يخشى تحمل مسئوليتها لعدة أسباب ويقومون بنصيحتها للرجوع، فخشيت عليها من المطامع وأن الذئاب إذا علموا لن يرحموا.

إلى أن توصلت لإقناعها بالرجوع معي وما يقولنه إلا ما أقول، فقد قلت لها إن رجوعك ومن الممكن أن أذهب معكِ للحديث معهم للتفكر والحل، وأعدك بأنهم لن يكرروا أفعالهم لأنهم قد يندمون إلى إيصالك لذلك، بل رفضت، ولكن اقتنعت بالعودة معي لعدم تمكنها من الحصول على مأوى وصعوبة الحصول على عمل.

ثم وصلنا إلى المحطة وقد كنت على حساب أن يستوقفنا أحد لوضوح صغر سنها وقد حدث، ودخلنا في سين وجيم، ولكن في النهاية اعتبروني ضامنًا، نعم أعلم جميع المخاطر التي لحقت وستلحق بي، ولكن لا أهتم، فقد تفكرنا في كيفية خروجي من الأزمة بشرط ألا أجبرها على العودة الآن على الأقل، قلت لها لا تقلقي، المهم أن تعودي حتى لا تتشردي وهناك في بلدك ستجدين من حولك من يتفهمك والمحافظة عليكِ، وأعدك بأن أتركك حرة رغم المشكلة التي وضعتِني بها، ولكن أطمئن لحلها.

وقد تركتها بعد أن اطمأننت عليها.

أما بعد هل ذلك مشكلة تلك الفتاة نادرة لا تحدث إلا كل عام مرة؟ أم هناك الآلاف الذين يعانون من ذلك، هل التضييق على الفتيات بمثل تلك الأساليب آتٍ بالحل لهن، أم زود مشاكلهن؟

هل كمجتمع شرقي ينظر إلى الدين سواء كان الإسلامي أو المسيحي والعادات والتقاليد أن يتم التضييق على الفتاة كذلك حتى يهربن من مثل تلك الأفعال؟ هل نحن في مجتمع لا يعرف كيفية تربية بناتهم على الحياة في مجتمعنا بحريتهن، أم نحن طاغون مستمرون في تدمير العديد من الفتيات؟

فقد ذكرت من قبل في إحدى المشاكل على صفحتي الشخصية بالفيسبوك أن التعامل مع الفتيات أو المرأة يجب أن يكون برفق حتى مع أخطائهن، وعدم التعامل مع أخطائهن كإدانة لهن بمفردهن وعليهن أن يتحملنها وغض النظر عن المشاركين معهم حتى وإن كانت تلك الخطيئة الكبيرة.

وأن من السهل التضييق على الفتاة والمرأة بشتى الطرق ومجرد شيش شباك عفن تم فتحه دون قصد أو بقصد قادر على إطلاق حريتهن أو إفسادهن كما نظن، ذلك كان تشبيهي.

أم نجعل ما يتمنينه من فسحة أو التمتع الطبيعي من الحياة عيبًا وخطأ أن تفعله الفتاة ونقوم بمعاقبتهن حتى يفعلن كمثل تلك الفتاة وغيرها من الكثيرين الذين قد نعلم عنهم ولا نعلم عنهم.

أخيرًا، أنا أقدس جميع كتب ما أنزل الله ولكن لا أقف عند تفسيرهم الضيق على مقاس الأشخاص وأحترم الأنبياء ونصائحهم ورسالاتهم، ولكن لكل زمان أوجهًا مختلفة في التعامل مع الحياة ومشاكلها وحلولها، فأتمنى أن نتفكر ونتدبر ما نتعلمه وما نريد أن نحكمه سواء مع فتياتنا أو نسائنا أو مجتمعنا عمومًا وأن نجد حلولًا تضع حدًّا لتلك المهازل والتي تنغل وتدمر في مجتمعنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد