تلك الصربية الفاتنة التي تحمل في قلبها أوزار الانتقام. تم تكليفها من «المخابرات الإسرائيلية» (الموساد)؛ لكي تتخلص من السفير الأمريكي في بلجيكا، والذي يقوم بمحاصرة ومضايقة قرارات الموساد المصيرية، لكن ما حدث بعدها لم يكن متوقعًا أبدًا.

كتب محمد حسنين هيكل عن الرواية (العملية هِبرون) التي كتبها «إريك جوردان»، والذي كان مسؤولًا في المخابرات الأمريكية، متنقلًا من واشنطن لنيويورك ولعواصم أوروبية وعربية؛ ما أثار هيكل هو حبكة ومحتوى الرواية التي رسمت خطوطًا غير مباشرة عن السياسة الإسرائيلية الطامعة والطامحة في الاستيلاء على القرار الأمريكي.

الفتاة «جاكي ماركوفيتش» المليئة بالانتقام، وبسبب زوج أمها الذي انتهك براءتها، عندما كانت طفلة. كانت سهلة المنال؛ فهدفها الانتقام من هؤلاء الرجال الذي يعرضون خدماتهم الجسدية لكل فتاة فاتنة يلتقون بها. لذلك عندما طُلب منها التخلص من السفير الأمريكي في بلجيكا، قامت بذلك، ولكن المخابرات الإسرائيلية أوهمتها بأن المخابرات الإيرانية هي التي طلبت منها التخلص من السفير.

وفي ظل انشغال الرئيس الأمريكي «دوجلاس» في دعم النائب «جونسون»؛ حتى يصبح الرئيس القادم للولايات المتحدة . كان «تيرون» مسؤول الموساد في واشنطن يقوم بطبخته التي رسمتها السياسة الإسرائيلية، وذلك بتعيين رئيس «عميل» لإسرائيل في المكتب البيضاوي الأمريكي. ذلك العميل الذي سعت إسرائيل لدعمه، كان «هِبرون»، (وهو اسم سري كي يخفي الاسم الحقيقي للمرشح الأمريكي). وحيث يعمل أيضًا رئيس الوزراء الإسرائيلي «ايشيل» في دعم تلك الخطة، فكان على تواصل دائم ليلًا ونهارًا مع «تيرون»؛ كي يحققوا هدفهم الأسمى.

في الطرف الآخر من القصة «جاكي»، كانت في قمة الغضب؛ لأن المخابرات الإسرائيلية لم تنكر فقط تورطها في عملية اغتيال السفير الأمريكي في بلجيكا، بل أيضًا حرمت الفتاة من المبلغ المتفق عليه مقابل العملية. لذلك راحت بكل دواعي الانتقام، واستقلت أول طائرة إلى واشنطن؛ لأنها علمت بأن «تيرون» الذي كان المسؤول عن العملية سيكون حينها هناك.

بعد جهود كبيرة من قبل الموساد والحكومة الإسرائيلية للدفع بمرشحهم «هِبرون» للرئاسة الأمريكية، تطل «جاكي» المنتقمة لكي تنال من «تيرون» وبرصاصة واحدة تتخلص منه، وهو على مقربة من تحقيق الهدف الإسرائيلي . ولسخرية القدر أيضًا، تقوم بإطلاق رصاصة أخرى على رأس «هبرون»، مرشحهم والأمل الإسرائيلي الكبير في الاستيلاء على القرار الأمريكي العالمي.

يختم «إريك جوردان» روايته بهذا الكم من المأساة ويترك هيكل متسائلًا. فتلك لم تكن رواية كتبها مسؤول في المخابرات الأمريكية فحسب، وإنما لتلك الرواية أبعاد خفية تظهر مدى الهوس الإسرائيلي في التحكم بالقرار الأمريكي كي تدفعه لصالح خطط إسرائيل في المنطقة وتحقيق أهدافها الأكبر.

تلك الخطة التي رسمتها إسرائيل في لقاءات سرية، وتم التحضير لها بحضور «إيشيل» رئيس الوزراء الإسرائيلي وبحضور أعضاء الموساد كانت بمثابة الحلم الإسرائيلي في تحقيق أمنها النهائي، وأيضًا في جعلها لاعبًا سياسيًا كبيرًا في مسرح العالم.

قام كاتب الرواية وفي خمسة وعشرين فصلًا بسرد تفاصيل دقيقة. يبدأها في الحوار بين «أشيل» و«شتيرن» الذي كان مدير الموساد (المخابرات العامة الاسرائيلية). وبالرغم من مخاطر العملية، وخوف إسرائيل من فضح نفسها أمام العالم وأمام الرأي العام الأمريكي، كان الإصرار في تحقيقها أكبر. ومن التفاصيل كان الحوار بين وزير المالية ووزير الخارجية في إسرائيل حيث عرض وزير المالية «سنقوم بتمويل حملة الرئيس الأمريكي من (الاعتماد المشترك للطوارئ)، وهو الاعتماد الذي تضعه الحكومة الأمريكية تحت تصرفنا لمواجهة المفاجآت غير المتوقعة». ثم يستطرد ويقول لزميله وزير الخارجية «ما رأيك في تمويل حملة (رجُلنا) في الانتخابات الأمريكية بأموال أمريكية؟ فكرة مدهشة! أليس كذلك؟».

في النهاية ، تلك رواية خيالية تستقي تفاصيلها من الواقع. فالكاتب على دراية بمخططات إسرائيل في التحكم بالرأي العالمي والقرار الأمريكي، بالإ  ضافة إلى وسائلها القذرة في تحقيق غاياتها والزج بكل مبادئ الإنسانية عرض الحائط. وسخرية حبكة الرواية أيضًا تظهر مدى سهولة الوقوع في فخ النية السيئة والتورط في مشاكل قد كانوا في غنى عنها. فذلك الشطح السياسي لم يساعد في تحقيق الأهداف، ويبدو بأن ذلك يحدث في الواقع لربما حتى بطريقة أقبح من الخيال الروائي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الموساد
عرض التعليقات
تحميل المزيد