هذا العنوان من مطلع قصيدة لمروة جمال الدين من ديوان الصحبجية تصف فيها حال الفتاة في مصر فوجدته أفضل توصيف لعنوان المقال.

عندما نعود قديمًا بعجلة الزمن لأيام الجاهلية بدء معركة تصنيف المخلوق الذي بثّ الله الروح فيه ولا يُسمح لمخلوق آخر سحب هذه الروح إلاّ بالحق كما وضح الله فعندما كان يعلم والد المولود أن الله رزقه بولد فيصبح في منتهى السعادة ويستعد لتوريثه ما يملك سواء كانت أملاكًا خاصة أو أملاكًا عامة (مثلما كان يرغب مبارك في ثوريث مُلك البلاد العام الذي لا يملكه إلى ابنه الوريث جمال) وعندما كان يعلم أن الله رزقه ببنت فكان يجهز أدوات الحفر ومساحة مناسبة في الأرض ليبدأ بدفن ابنته ليعود بها إلى الذي خلقها ويدفنها ويتخلص من عاره المستقبلي فهذه أيام الجاهلية فأين نحن الآن!

ولكن بمضي فترة كبيرة فنجد أفضل توصيف للفتاة في قرى ومدن مصر في أفلام الثلاثية لنجيب محفوظ فكان دور خديجة وعائشة يقتصر على تنظيف المنزل يوميًا وعدم الوقوف بالشباك وتحريم سماع الراديو وتحضير الطعام الذي لا يتناولن منه إلا بعد انتهاء أبيهم وإخوتهم من تناوله، فنجد هذا التوصيف ما زال مستمرًا في كثير من قرى مصر وداخل صعيد مصر الجواني ولكن الاختلاف الوحيد الذي طرأ اليوم عن أمس هو أن أصبحت البنات تفعل ذلك بكل بهجة وسرور لأنها تُربى من صغرها على ذلك وأمها تقنعها بأن هذا دورها الأساسي والوحيد وللأسف لا تجد بديلًا أمامها سوى فعل ذلك لكي تنال رضا والديها وإعجاب زوجها المستقبلي.

فكل ذلك الذي نتكلم فيه بدأ يختفي تدريجيًا وبدأنا نتحرر من كل تلك القيود الوهمية بمرور الوقت وباختلاف الأزمان وتعاقب الأجيال وإن كان البعض يتمسك بهذا لنشهد طفرة التغيير التي حدتث في حياة البنت مؤخرًا.

أولًا: أصبحت كل البيوت تهتم بتعليم البنت من صغرها في أفضل المدارس لتستكمل تعليمها حتى تصل المرحلة الجامعية ولكن يا تُرى ما السبب الحقيقي وراء ذلك هل اختلفت الثوابت والشرع وما كنتم ترددونه بشأن ذلك الموضوع أم تغير فهمنا نحن في شأن هذه الثوابت؟

ثانيًا: ما كانت تردده إحدى الأمهات من وراء تعليم ابنتها إلى آخر المرحلة الجامعية ليكون سببًا في زيادة مهرها أمام عائلة زوجها وتطلب شقة بمساحة أوسع وشبكة أغلى طبعًا عشان الدكتورة أو المهندسة فلو لم تكمل تعليمها لم يصبح لديها الجرأة على طلب كل هذه الاحتياجات، أم فعلًا تعلمها لأنها مؤمنة بحقها وأهمية حصولها على العلم الذي ترغب فيه وتودّ أن تستكمل دراستها؟

ثالثًا: أصبحنا الآن نترك حرية عمل المرأة في جميع المجالات بل وأصبح شرطًا أساسيًا في كل بيت عندما تتخرج البنت تعمل وفقًا لدراستها ومؤهلاتها، هل نؤمن فعلًا بأنه أحد الحقوق الأساسية التي تتمتع بها المرأة أم نفعل ذلك لأن الظروف المادية أجبرتنا على ذلك وسوء المعيشة الاجتماعية هي التي أجبرت رب الأسرة للسماح بعمل ابنته، فماذا لو كن الزوج المتقدم رجلا غنيا وصاحب أملاك ولا يقبل عمل زوجته فهل نتمسك بما كنّا نراه حقًا مشروعًا وأساسيًا أم نتخلى ونفرّط؟

رابعًا: حتى في أبسط الأمور التي تتعرض لها الفتاة عندما تأخذ وسيلة المواصلات فهل أصبحنا نترك الابنة والزوجة والأخت تركب أتوبيس النقل العام المزدحم والميكروباص ولا تركب التاكسي الخاص بها وحدها، هل لأننا نؤمن بحريتها في التنقل واختيارها ما تشاء لتتحرك به وقدرتها على مواجهه ما تلقى من صعوبات ورجال الأتوبيس المزدحم، أم أننا لم نقدر على دفع أجرة التاكسي الغالية فأصبحت لها حرية ذلك، فماذا أيضًا لو امتلكت أجرة التاكسي الخاص؟

ملحوظة: الإجابة متروكة وفقًا لآراء وقناعات كل شخص وهو كامل الحرية بها.
عدة أمور مهمة لا بد أن نتناولها

أولًا: يوجد الكثير خاصة مؤخرًا تحدث في هذا الموضوع ويجوز باستفاضة أكثر ولكن نحن ليس عندنا مشاكل في الكلام ولكن مشكلتنا الأكبر في التطبيق والتنفيذ فكل هذه القناعات المكتوبة من الممكن أن تستمر مجرد حبر على ورق فقط إذا لم نتحرك ونسعى لتطبيق ما نعي وما نؤمن به وهذا أصعب بكثير لذلك نجد كثيرًا منّا يؤمن بهذا الكلام ويدافع عنه بشدة ولكن كيف حاله وهو زوج أو أب أو أخ؟

ثانيًا: لا يوجد تصنيف بين مخلوق وآخر إلا بتقواه وعمله لذلك لا فرق بين صبي وفتاة إلا في الأمور الشرعية التي حددها الله لنا غير ذلك فالبنت تمتلك نفس الحقوق فلها الحق في الحلم والعلم والسفر والعمل واختيار الزوج المناسب لها.

ثالثًا: الفتاة التي تختارها زوجة لك بعد مرور الوقت لا تصبح زوجة فقط ولكن تصبح أمًا لابنتك وتعلّمها ما تعلمته هي وتربيها وفقًا لعاداتها وقناعاتها إذًا فماذا ترغب أن تصبح ابنتك؟

نصيحة على الهامش: اهتم جيدًا بالسيرة الذاتية لعديد من النساء أولهم السيدة المثالية السيدة خديجة رضي الله عنها لكي تنقلها حرفيًا لابنتك بعد ذلك وغيرها من الصحابيات المناضلات من أجل رسالتهن، وحديثًا ربوا بناتكن على سيرة زينب الغزالي وعرفوهم قصة سجنها وتحملها للصعاب ومواجهة الأزمات التي تعرضت لها بالسجن وهي امرأة، واعرفوا جيدًا عن كفاح د/ هبة رؤوف عزت وتحرُرها من كافة القيود الوهمية وما وجدت عليه آباءها وأجدادها وتعلّمها وحضورها جلسات العلم في المساجد والجامعات ووقوفها أمام رجال لتناظرهم ومن الأفضل أن تشاهد حلقة (حرية المرأة في الإسلام) لتجد فيها من إسناد ودليل قوي ليطمئن قلبك، وطبعًا يجب أن تُخبر ابنتك على تحدي رضوى عاشور لمرض السرطان واستمرارها في الكتابة لتبدع وتصف كل ما تريد في أفضل الروايات لتنال إعجاب جيلها والجيل الذي يليها وما يليه إلى آخر الزمان، وعرّفوهم أيضًا سيرة ماهينور المصري المناضلة السكندرية التي تحدت الأشخاص والسجون وكتبت (نحن لا نحب السجون ولكن لا نخاف منها) من أجل أن تدافع عن فكرة آمنت بها.

لنطلعكم على جانب من القصيدة.

البنات في بلادي عيب

عيب تشاور
عيب تحاور
عيب تحب
عيب تثور
البنات في بلادي تقدر تبقى جنّة
تبقى نور

 

البنات في بلادي تهتف بس من جوه الشاشات
البنات في بلادي مادة للحكاوي في الحارات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد