زواج البنت لا يصح إلا بولي، كما هو ثابت في الحديث الشريف. ولكن المشكلة أن الولي الذي يمكن توفيره في الأغلبية الساحقة من الحالات في أيامنا، لا يختلف من حيث الجوهر عن الولي الكومبارس الذي تقدمه المسلسلات والأفلام للإنابة عن العروس، من ناحية الزيف والتفاهة وعدم التعبير عن المفهوم والمقصد الحقيقي الذي أراده الإسلام من شخص الولي ودوره!

فثلة هائلة من الرجال في العالم الإسلامي في أيامنا يصعب ائتمانهم على قطة حولاء؛ بسبب فسادهم  وانحرافاتهم عن الإسلام. ومن ثم فإن من السفه والتزوير والإجرام، ضد الإسلام والمسلمين، النظر إلى الكثير من الرجال كأولياء وأوصياء يملكون الحق في تقرير مصير بناتهم وأخواتهم وقريباتهم! ومن المضحك المبكي مثلا أن نطلب من فتاة حاصلة على أعلى الشهادات، وتعمل في أهم الوظائف، اللجوء إلى شقيقها التافه المراهق المنحل ساقط التوجيهية العاطل عن العمل الذي يأخذ مصروفه منها، وهذه حالة شائعة كثيرًا هذه الأيام، أو إلى عم أو خال لا يسألان عنها حتى في المناسبات القومية وقد لا تراهم إلا في الجنازات، لأداء دور الولي والموافقة على زواجها، إلا إذا كنا في فيلم من أفلام السخرية السوداء، مدعين أن الدين يقول بذلك! إنه ليس الدين الذي يقول بذلك العبث حتمًا، بل فهمنا القاصر المغرض الملتوي للدين!

وهذا ينطبق على من يسمون بالقضاة الشرعيين، فهم غالبًا ثلة من الأفاقين الذين لا يهمهم إلا قبض رواتبهم ومكافآتهم، حتى وإن زوجوا المسلمات من عبدة الشياطين، ما داموا يحملون اسماء وبطاقات تقول إنهم من المسلمين. ناهيك عن جريمة إضفائهم الشرعية على أنظمة كافرة تحارب الإسلام وتشوهه!

إن تطبيق الإسلام وأحكامه يحتاج إلى مسلمين حقيقيين، وليس إلى مجرد ممثلين يلعبون دور المسلمين على الورق! فلا تحاولوا خداع الله وخداع أنفسكم، فالإسلام ليس مجرد بنود شكلية في قائمة نحاول الضحك على أنفسنا بالزعم أننا قد قمنا بتوفيرها والسلام، على قاعدة: واحد مأذون، واحد ولي، اثنين شهود، واحد رقاصة، دستتين جاتو، وصندوقين بيرة، معتبرين أن الزواج بهذا قد تم على سنة الله ورسوله!

هذا الكلام لا يعني حتما، كما قد يتبادر لذهن بعض الحمقى والمتربصين، التوقف عن تطبيق الأحكام الشرعية، أو المطالبة بذلك، وإنما يعني عدم النظر الى تلك الأحكام نظرة متحجرة عمياء صماء، وكأن الهدف الوحيد هو تطبيقها كيفما اتفق، بغض النظر عن عواقب ذلك وعن وجود الظروف الملائمة لتطبيقها أم لا. بما يتسبب بالتورط بتحويلها إلى مجرد ديكور تزويقي مصطنع وباهت، يتم إقحامه كشاهد زور مؤقت، كي يضفي شيئا من الشرعية الدينية على الجرائم والانحرافات.

 

كما أن الكلام لا يعني حتمًا، كما قد يطيب لبعض الفتيات الحمقاوات الفهم، أن تقفز إحداهن للزواج بأول روميو (صائع ضائع) تلقاه ويسمعها بعض الغزل، دون إخطار أهلها أو طلب مشورتهم ومباركتهم. فالكلام يتعلق بالفتاة التي تعيش وسط عائلة منحرفة عن الإسلام لا يهمها إلا تزويجها أو بيعها بالأحرى لعريس ثري. الفتاة العاقلة المتزنة الملتزمة حقا، التي تتقي الله وتريد الستر والعفاف. الفتاة التي تتعرف إلى رجل مسلم حقا ضمن الضوابط الشرعية، وتتيقن من قوة دينه وحسن خلقه وصدقه وجديته. مثل هذه الفتاة تستطيع الزواج دون ولي، ما دامت لا تجد في عائلتها رجلا رشيدا صالحا يمكن الثقة به أو الاعتماد عليه لتمثيلها.

عندما تحدث الإسلام عن ولي الفتاة المطلوب لزواجها، فإنه لم يكن يتحدث عن أي ذكر يقف مؤقتا في واجهة المشهد ليضع يده في يد العريس، بدلًا عن العروس عند عقد القران، ثم ينتهي دوره، أو عن ذكر متسلط يتولى مهمة السيطرة على حياة الفتاة والتقرير نيابة عنها، بل كان يتحدث عن رجل مسلم صالح راشد عاقل متزن، يقف في ظهر الفتاة كسند ودعم، لتوجيه رسالة رمزية لزوجها المستقبلي، مفادها أنها ليست وحيدة أو ضعيفة أو مقطوعة من شجرة، وأن هناك من يمكن أن يقف إلى جانبها ويتصدى لها ويحميها ويدافع عن حقوقها، إذا ما قام في المستقبل بظلمها.

ووجود الولي، الممثل لعائلة العروس، هو جزء من عملية إشهار الزواج، للإيحاء بأن الزواج تم بمعرفة أهلها ورضاهم، وليس رغما عنهم ومن وراء ظهورهم. وهذا أمر ضروري لتبديد الشبهات، وحماية البنات، وتعزيز الروابط بين العائلات والناس على أوسع نطاق ممكن في المجتمع المسلم الفاضل الذي يتحرك في النور، والذي يقوم على مفهوم الجماعة وليس الفرد.

أما في أيامنا الأقرب إلى الجاهلية، فهناك كارثة حقيقية، فمن يمكن تسميتهم بأولياء الفتاة نظريا، هم في ما لا حصر له من الحالات أول من يخططون للاستيلاء على حقوقها، وأول من يبدون على استعداد لإهدار حقوقها، بل وبيعها للمشتري الذي يدفع أعلى ثمن فيها، حتى وان كان تاجر مخدرات أو صاحب ملهى ليلي، أو شيخا فاسدًا من شيوخ النفط الذين يبدلون الزوجات كما يبدلون أحذيتهم!

وبما أن الإسلام قد جعل للفتاة شخصية مستقلة كاملة الأهلية والاعتبار، فأعطاها الحق في الموافقة أو عدم الموافقة على المتقدم لها، وفي التصرف بأموالها، وفي الشهادة، وفي التعلم والتعليم، وفي العمل، وفي جعل عصمتها بيدها، وفي خلع زوجها، فإن من غير المتصور أنه حرمها من حقها في تزويج نفسها إلا بموافقة ولي أو ذكر ما، كما شاءت العقلية الذكورية لمعظم الفقهاء فهم الأمر. دون أن يعني ذلك مجددًا، أن عليها أن تهمل الاسترشاد بآراء ذويها ونصحهم، إذا ما توافر فيهم قدر معتبر من صفات الالتزام الديني والحرص الجدي على مصلحتها وحقوقها.

وأخيرًا، إن ما تحتاجه الأمة الإسلامية هو ثورات جدية عاصفة تطيح بالأنظمة المجرمة التي جعلت من أحكام الإسلام مجرد واجهة شكلية متربة ومهشمة ومبتذلة ومهمَلة، ولكن إلى أن تحدث تلك الثورات وتنجح، والتي لن تحدث إلا بكم، ولن تنجح إلا إذا كنتم قد عدتم جديًا لدينكم، لا تعينوا تلك الأنظمة على تشويهه، وهذا أضعف الإيمان!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد