كثِقل الدقائق على قلوب الأطفال الصائمين قبل إعلان المُفتي العيد.. يترقبون، وبعضهم – ربّما – يشتمُ المُفتي من خلف الشاشات ليُتعجل لقاؤه.

كثقلها..

تمضي الأيام بدونك ثقيلة إن صحّ القول: إنها تمضي، ولكن بدون أهِلّة نتحرّاها لتُبشرّنا بشيء من فرح، إنّها ليلةُ العيد وقلبُنا يتعلقُ بالغائبين؛ لأننا نراهُ من خلالهم، لأنّهم معناه، ولأنّ فراغات الراحلين لا يملؤها القاعدون.

يا معنى السعادة.. أعطوا العيد معناه، عزّ من وصل الأحبة مُتناسيًا كل العتاب، من قذف في القلوب فرحًا لا يُكلفه شيئًا إلّا رسالة فارغة، واترك لهم حرية الخيال.

سيأتي الصبح حتمًا وتبعثُ التكبيرات في النفس السكينة، نردد بخشوع: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، ونسير إلى الصلاة، ولكنّا من بعد أن نُصافح كل من نعرفهم ومن لا نعرفهم أيضًا في مشهد لطيف يُشعرك أنّك تحب الجميع هناك، نتأمل الخطوط في أيدينا.. ونسألُ البعيد أين يدك! لا أُذن تسمعنا.. عدنا مُثقلين.

يا معنى السعادة.. أعطوا العيد معناه لنعود من الصلاة ممتلئين بكم، تبثون السكينة في قلوبنا، كل الأيادي ما أغنت عنكم، احنوا على بعض.. إن الحياة في الخارج موحشة، إن الحبّ الذي نقصده بين حنايا الآخرين قد نفقده في لحظة هي أقصر من مكالمة هاتفية، هي أطول من خمس صلوات.

العيد يُعطيك مبررًا قويًا لتصل الآخرين دون أن تكون كرامتك هي نقطة الخلاف، أن تصل كل من قطع أن تخرج بعده خفيفًا من ثقل الأفكار التي كانت دائمًا تحول بينك وبين الوصل، والتي كان على رأسها: كيف سأبدأ ومن أين؟ كيف سأفتح موضوعًا ما؟ …إلخ.

لم يضع الله هذه الأيام عبثًا، حين تخرج من رمضان وقد أدّيت من العبادات ما استطعت، وفوق ما تستطيع قليلًا ليُلحقك الله بركب الصالحين، وقد صلّيت صلاة الفجر مرتين خوفًا من خشوع ناقص، وأنت صائم بكلّ جوارح قائمٌ بكل قلبك، وأنت تمرُّ على الآيات خفافًا على اللسان ثِقالًا في المعنى وفي الميزان، وأنت تقرأ ربي لا تذرني فردًا، اشدد به أزري، إني أنا أخوك، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، تشعر هنا أنّ شيئًا ما لم يكتمل، إنك مُتأخر عن الركب، إن السفينة التي تنتظرها لن تُقلّك لأن جواز سفرك فيه خِتم ناقص، تأمل النقص، قد تجده عند باب منزل والدتك المهجور أو عند قبرها الذي لا زرع جديد عليه، قد تجده في حارات إخوتك وأخواتك، أحدهم جائع وآخر مريض، قد تجده في آخر رسالة أرسلتها لصديقك، في آخر مكالمة هاتفية عرفت فيها أحوال قلبه، ستجده حتمًا على نافذة جارك الذي لا تعرف اسمه، أيام العيد تُعطيك آخر خِتم لتركب الرحلة لتصل إلى حيث تُريد، تُتيح لك المجال الذي طالما بحثت عنده.
ابدأه بكل عام وأنتم بخير، ستكون صيغة الإفراد ثقيلة عليك في بداية الرسالة، ستكون خفيفة في نهاية الحوار، وانت تقول (دير بالك على حالك)، الخطوة الأولى نجحت أم فشلت، يكفي في الوصال أنّك حاولت.

اللهُ يحب المؤمن الهيّن اللين السهل، الله يُحب القلوب المُتسامحة وإن أجرها لأعظم، الله يأمرنا أن نُحب بعضنا، أن نتماسك، أن نكون كالجسد الواحد، ولنا في السيرة الكثير من الشواهد، قال عليه الصلاة والسلام: تهادوا تحابوا، وتصافحوا يذهب الغل، وقال: ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، وقال: خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره.

لكي نلبس ثيابنا الجديدة، لنعرف أي الصباح أتى، لكي لا ننسى عدد تكبيرات صلاة العيد، لكي لا نسبق الشيخ في السجود، لكي لا نضلّ في طريق العودة ونحنُ نتأملُ أيدينا.. لكي نبقى على قيد الفرح، ولأنّنا خبأنا لكم كعك العيد وبعض الحلوى.

يا معنى السعادة.. أعطوا العيد معناه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد