لم يعد الإعلام منذ دخل في طور الحداثة والتكنولوجيا مجرد وسيلة للترفيه والتواصل، فهناك من تمكن من جعله وسيلة أيضًا للحروب والتفريق بين الشعوب، ولم تكن الدول الغربية بعيدة عن ذلك فلطالما ضرب لنا جوزيف جوبلز وزير الدعاية النازي أبرز مثال على استغلال وسائل الإعلام في الحرب، فقد كان شعاره الأشهر «اكذب حتى يصدقك الناس»، وبالرغم من العداء الغربي للنازية إلا أن جوبلز كان وما زال الشخصية التي تُدرس ويُضرب بها المثل في الجامعات المختلفة باعتباره مؤسس مدرسة إعلامية مستقلة بذاتها، والتي تعتمد على الدعاية الرمادية التي لا تميل إلى الصواب ولا يمكن للمتلقي أيضًا إثبات خطئها، والذي عرف بفن غسل الأدمغة وإدارة الأوطان وكيف يمكن لمن يمتلك وسائل الإعلام أن يملك القول الفصل في الحروب، وهو الدرس الذي تعلمته الحكومات الغربية جيدًا بقيادة أمريكية وأتقنته بمرور الوقت، فقد أرجع القادة الأمريكيون خسارتهم في حرب فيتنام في سبعينيات القرن الماضي إلى سوء استخدامهم وسائل الإعلام.

ولعل المراقب للأوضاع العربية في السنوات المنصرمة سيجد من الأدلة ما يكفي لإثبات تورط الحكومة الأمريكية في حملات التضخيم الإعلامي باعتبارها من تولت قيادة العالم بل والحملات المضللة لإدارة دفة الأمور بما يصب في صالحها، فتلك الأساليب التي تتسلح بها أمريكا في الخفاء دائمًا ما كانت الذريعة التي تستغلها إما لتحويل انتباه المجتمع الدولي أو حتى الشعب الأمريكي نفسه عن قضية أو حدث من شأنه أن يضر بمصالحها السياسية، أو لتأجيج الصراع بين طرفين وتعطيل المفاوضات، أو وسيلة للضغط على حكومات بعض الدول لتمرير قرارات أو تعطيلها في إشارة منها إلى قدرتها على تحريك الشعوب من خلال الإعلام حتى ضد حكومات بلادهم، وكثيرًا ما اتبعت الحكومة الأمريكية ذلك النهج على الساحة الدولية، فكان منها جذب انتباه المسلمين للفيلم المسيء للرسول والترويج له بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية عام 2012 بالرغم من وجود الفيلم منذ عدة أشهر سبقت الحدث؛ ليخرج الجميع في تظاهرات ضد أمريكا ويتم نقل تلك الصور للشعب الأمريكي للتأثير على عملية الإدلاء بأصواتهم وسير الانتخابات.

وقد تطرقت السينما الأمريكية في عدة أفلام لهذا النهج الإعلامي لبلادها بشكل فاضح وساخر، وكان أبرزهم فيلم ذيل الكلب (wag the dog) الذي أُنتِجَ عام 1997 والمقتبس عن رواية بطل أمريكي للكاتب لاري بينهارت، والذي يظهر أساليب التزييف الإعلامي والسيطرة على عقول الجماهير، إذ تدور أحداث الفيلم عن استعانة البيت الأبيض ومستشار الرئيس بمنتج أفلام لتصوير عدة مشاهد حرب وعمليات إنقاذ يجريها الجيش الأمريكي الذي يتدخل لإنهاء تلك الحرب المزعومة، ليفاجأ مخرج العمل بعد فترة بإذاعة تلك المشاهد من خلال نشرات الأخبار على أنها حرب حقيقية تدور في ألبانيا والتي لم تكن تعاني من أي أزمات أو نزاعات على أرض الواقع وإنما كان عملًا مدبرًا من المنتج بالتعاون مع البيت الأبيض للتغطية على فضيحة للرئيس الأمريكي قبيل الانتخابات، ولكن الفيلم لم يأت على ذكر كافة الأحداث كما وردت في الرواية الأصلية التي حدد بها الكاتب الرئيس الأمريكي على أنه جورج بوش والحرب على أنها عاصفة الصحراء.

ولم يكن الفيلم إلا انعكاسًا لما يحدث في الواقع؛ فإن لم تفتعل الحكومة الأمريكية الأزمات فإنها تستغل الأزمات القائمة بالفعل وتتلاعب بالأحداث والشواهد كلما استدعى الأمر ذلك، والتي كان أبرزها في الآونة الأخيرة الأزمة السورية التي استغلتها على مدار خمس سنوات من خلال التضخيم والتزييف الإعلامي تارة، ومن خلال المتاجرة بمعاناة الشعب السوري تارة أخرى، وهنا تشاركها الدول الأوروبية الدور بحيث يُسلَّط الضوء على الملف السوري فترةً محددة يضج فيها العالم بالأخبار والصور ثم ما يلبث ذلك الضوء أن يخفت بعد أن تُحقق تلك الدول أغراضها السياسية التي تخلو من الإنسانية ولا تكترث فيها للضحايا ومن ثم يتم تهميش القضية بعد ذلك حتى يحين وقت الاستعانة بها مرة أخرى.

وكان ذلك الوقت قد حان عندما تركزت أنظار العالم مؤخرًا أو العالم العربي بمعنى أدق، على قصف مدينة حلب الذي راح ضحيته المئات ولكنه لم يكن الأول ولن يكون الأخير حتى انتهاء الحرب، والذي وبالرغم من استمراره لأكثر من عشرة أيام إلا أن الشعب العربي انتفض له عدة أيام بسيل من الصور والمشاهد انتشرت فجأة كالنار في الهشيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعلت الهتافات المطالبة بالحل لتهدأ عاصفة التعاطف بعد ذلك وينفضّ المتعاطفون وتبقى الأزمة دون حل وتبقى معاناة الشعب السوري كما كانت، ولم تكد الحملة الإعلامية تنتهي حتى بدأ يتضح زيف بعض الصور وفبركة بعض الفيديوهات التي تم دسها بين المشاهد الحقيقية للتأكد من إثارة غضب الشارع العربي وسخطه وشحنهم وكأن ألم الواقع لا يكفي، وهو ما يذكرنا بسيناريو الفيلم ويذكرنا بالفيديو الذي حصد ملايين المشاهدات لطفل يتلقى عدة رصاصات أثناء إنقاذ شقيقته وهتافات الله أكبر تعلو من حوله وقد تداولته جميع القنوات العربية والأجنبية منها فوكس نيوز، وتحدثت عنه العديد من الصحف منها التليجراف اللندنية عام 2014، ليتضح بعد فترة أنه مجرد مشهد تمثيلي ويخرج مصور الفيلم النرويجي لارس كليبرج مبررًا عمله على أنه مشاهد صورها ليدرس من خلالها رد فعل وسائل الإعلام والجمهور مشيرًا إلى أن العديد من الأطراف بالحرب تستعمل وسائل مماثلة لترويج أفكارها وأنه ليس الوحيد في ذلك، بالإضافة إلى صورة أخرى لطفل ينام بين قبري والديه انتشرت على أنها لطفل سوري ليتضح أنها لمصور سعودي يدعى عبد العزيز العتيبي التقطها لابن أخيه.

ولم تكن الحملات الإعلامية الضخمة حصرًا على قصف حلب بل سبقها العديد من الحملات التي تركزت فترةً على اللاجئين السوريين والذين لم تستقر أوضاعهم حتى اللحظة، ثم مسلمي بورما، ومجاعة اليمن، ومجاعة مدينة مضايا السورية والتي وعلى وجه التحديد استمر حصارها مدة ستة أشهر لم يلتفت إليها العالم أو يسلط الضوء على معاناة أهلها إلا بعد أن اشتدت بهم المجاعة وبدؤوا في أكل الحشائش وأوراق الأشجار والموت جوعًا من جراء ذلك، فتركزت الحملات الإعلامية عليها آنذاك وبدأت الأمم المتحدة بمناشدة العالم والتفاوض مع النظام لإدخال المساعدات والمواد الغذائية، ليأتي السؤال هنا؛ لماذا لم يتم ذلك التفاوض مبكرًا قبل تفاقم الأزمة وحلول المجاعة بالرغم من قدرتها على إدخال تلك المساعدات دون قيد أو شرط بناء على قرارات مجلس الأمن؟ وقد جاء الرد سريعًا في تقرير لمجلة فورين بولسي التي أكدت تواطؤ الأمم المتحدة ومساهمتها في تلك المجاعة إذ كانت على علم مسبق بما يجري وبوجود أكثر من ألف حالة سوء تغذية بين الأطفال هناك ولكنها آثرت الصمت عدة أشهر حتى تدهورت الأوضاع، ثم بدأت بالتحرك وجذب أنظار العالم إلى مضايا بالرغم من كونها أول من تلاعب بآلامهم.

ولم تسلم صور المجاعة أيضًا من دس العديد من الصور المفبركة بينها وكان أبرزها صورة اشتهرت باسم موناليزا سوريا وهي صورة لطفلة جميلة قبل وبعد المجاعة، والتي اتضح بعد ذلك أنها صورة مفبركة وتعود لطفلة لبنانية تدعى مريانا يوسف مازح تسكن في مدينة طرفلسية جنوب لبنان ولا علاقة لها بسوريا أو بالمجاعة، وقد لاقت هذه الصورة كما لاقت غيرها من الصور المفبركة من قبل رواجًا كبيرًا بين وسائل التواصل الاجتماعي، إذ تبدأ الحملات عادة من خلال تلك المنصة ثم تنجرف وراءها القنوات والصحف العربية دون محاولة للتأكد من مصداقية هذه الصور والمشاهد أو مصدرها، فهدفها الأول هو حصد مزيد من المشاهدين بزعم أنها تنقل الحدث وتكشف الحقائق وهي لا تقدم للمشاهد سوى ما يتفق مع مصالحها، وبالتالي تقدم له الحقائق كما تريده أن يراها وليست كما هي في الواقع.

ونتيجة لذلك الضخ الإعلامي المستمر الذي يحاصر عقل المواطن العربي من جميع الاتجاهات، تتجه الأغلبية العظمى إلى تصديق تلك القنوات والثقة فيما تبثه؛ وبالتالي يتم السيطرة على العقول وتوجيهها وتمرير المعلومات إليها بناء على تلك الثقة، وكانت نتيجة لتلك السنوات التي انقضت في محاولات تسطيح الفكر العربي وغياب الوعي وجعله متلقيًا فقط وليس محللًا؛ تهيأت البيئة المناسبة للحملات الإعلامية الغربية لاستغلالها ولنشر أفكارها والاستئثار بجزء كبير من عقل المواطن أو على أقل تقدير النجاح في تشتيت فكره بين جميع الأطراف بما لا يمكنه من الوقوف إلى جانب محدد، مستخدمةً كل الأساليب التي تجعل المواطن العربي على اعتقاد تام بأن أفكاره نابعة من قناعاته ولكنه في حقيقة الأمر يكون موجهًا ومدفوعًا لها من خلال وسائل الإعلام والحملات التي لا يعرف كنهها.

وما بين الصمت العربي والتواطؤ أحيانًا، وأجندات منظمات الإغاثة والدور الغربي في تأجيج الصراع، والاستغلال الأمريكي للشعوب والمتاجرة بمعاناتهم والحروب بالوكالة، وطمع الحكام والمؤامرات الدولية والتنافس على قيادة العالم والنوايا الاستعمارية، يقع الشعب السوري والعربي الضحية والفريسة الوحيدة لكل ذلك ووحده فقط من يدفع الثمن ويتحمل تبعات قرارات لم يتخذها لتتفرق دماؤه بين القبائل في نهاية الأمر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إعلامًا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد