“السعادة؟ بكل تأكيد لا أقصد مقابلة صديقتي، أو الحصول على فرصة عمل جديدة، ومن الطبيعي ألا تكون خاصة بمتعة السفر مع العائلة إلى مكان بعيد، لكنها الفرحة غير المنتظرة البعيدة عن أي توقع، والصرخة التي تمتزج بأقوى المشاعر، أثناء تلك اللحظة التي يسجل فيها فريقك هدف قاتل في النهايات، هذه هي السعادة باختصار”.

يقول أحد مشجعي سندرلاند هذه الكلمات بعد دقائق مثيرة ومجنونة أثناء “الديربي” الأخير بين نيوكاسل وسندرلاند، المباراة الأقوى على الإطلاق في مقاطعة تاين أند وير البريطانية، المكان الذي يشتهر بالنهرين وبالعدويّن اللدوديّن، “الماكبيس” والقطط السوداء، حيث لا صوت يعلو فوق صوت كرة القدم، و”سرها الباتع”.

يصف السير بوبي روبسون هذا الديربي بأنه الأشرس في إنجلترا، ورغم أن الغالبية العظمى في إنجلترا لا توافقه على ذلك، إلا أن الحاضر لهذه المواجهة يصطدم بكم هائل من العنف والكراهية بين أنصار الفريقين، في قصة كروية تحوي تفاصيل خاصة عن طبيعة اللعبة في مهدها الأول.

ارحل يا باردو، ألان يجب ألا يستمر، هكذا قابلت جماهير نيوكاسل مدربها آلان باردو في بدايات الموسم، وبعد عدة هزائم متتالية وحصده أربع نقاط فقط في أول سبع مباريات بالدوري، عاد الفريق من بعيد وحصد عدة انتصارات كان أشهرها الفوز على متصدر الترتيب تشيلسي مطلع ديسمبر، ليحصل المدير الفني على جائزة مدرب الشهر بالبريمير، وينقذ رقبته من إقالة كانت شبه مؤكدة.

أما جوس بويت فمسيرته على النقيض تمامًا، هو البطل الذي أبقى سندرلاند مع الكبار خلال الموسم الماضي، وحقق نتائج إيجابية جعلت فريقه يبتعد في النهاية عن مراكز الهبوط، ليحصل على مكافأة الإجادة ويستمر مع القطط لفترة أخرى، خصوصًا بعد كسبه ثقة اللاعبين وشغف الجماهير.

ومع المواقف المغايرة، فإن التعصب هو العامل المشترك بين الجانبين، فمشجع نيوكاسل يفتخر دائمًا بأنه قادر على الإطاحة بأي مدرب لا يخدم مصالح النادي من وجهة نظره، ويكفي الواقعة الشهيرة عندما فعل المدير الفني رود خوليت ما لم يتوقعه أحد ووضع آلان شيرر على دكة البدلاء، فتعالت احتجاجات أنصار نيوكاسل مطالبين برحيل المدرب الهولندي، وقبل المباراة التالية كان خوليت قد حزم أمتعته وغادر النادي.

أما مجنون سندرلاند الذي يعمل كصحفي، يتذكر دائمًا وفاة والده قبل إحدى مباريات الفريق بيوم، ليتصل بجمعية المشجعين القدامى ويخبرهم بفاجعته، قبل أن يتصل بالجريدة التي يعمل بها، ويؤكد حضوره لمباراة الغد بين سندرلاند وبيرنلي، وحينما يسأله أحد عن بروده الغريب، يرد بعبارة واحدة لا تتغير، لو كان والدي معي الآن لهاجمني إن لم أحضر لقاء عشقه الأول والأخير.

وخلال المباراة الأخيرة بين الغريمين على ملعب سانت جيمس بارك، كان اللقاء حماسي إلى حد كبير، ولم تكن المتعة في الملعب خصوصًا مع الشد والجذب بين اللاعبين والجو المعقد نوعًا ما داخل المستطيل الأخضر، لكن قيمة هذه المواجهات تكمن في التفاصيل الصغيرة، التي تُشّكل في النهاية حبة الكرز الخاصة بالحروب الكروية التي تُعرف بالـ “ديربيات”.

ينادي جمهور نيوكاسل على باردو بأنهم سيغفرون له من ذنبه ما تقدم وما تأخر شريطة الفوز على الجار العاق، أما أنصار سندرلاند يعتبروه الانتصار على المنافس بين جماهيره أمر يساوي بطولة الدوري الإنجليزي، لذلك لعب الجانبين “الديربي” وكأنها المباراة الأخيرة في مسيرتهما الكروية، وقاتلوا حتى آخر نفس ممكن، حتى جاء الحل في الثواني الفاصلة.

عرضية قصيرة داخل منطقة الجزاء، يقابلها لاعب أمام المرمى، وبدلاً من التسديد الخاطف السريع، يتعامل معها ببرود يُحسد عليه ويمررها إلى القادم من الخلف، آدم جونسون يملك السر القاطع ويسددها صاروخية داخل الشباك معلنًا عن هدف الفوز وحصد الثلاث نقاط، ليفرح لاعبو سندرلاند بشكل غير عادي، وتنفجر دكة البدلاء نتيجة الصراخ الهستيري.

وحينما التقطت عدسات الكاميرا المدرب بويت، كانت لحظة من الصعب جدًّا وصفها في كلمات، الكل يقفز ويضحك ويبتسم وسط قبلات وأحضان مشروعة.

إنها الفرحة الطبيعية البعيدة كل البعد عن أي “تابوهات” مغلّفة، والتي تخرج من قلوب لا تعرف اليأس، ولا تفهم إلا في كرة القدم، اللعبة التي تظل صاحبة الكلمة الأولى في أقوى نظريات البهجة على الإطلاق.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد