لعل المتتبع لحال الأمة العربية في السنين الأخيرة يأسف لحالها ولواقعها المتعفن بالمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. والتي ما فتئت تتزايد كل يوم وكل شهر وكل سنة، لذلك سنحاول تشريح مجالات الإصلاحات الأولى لليقظة الفكرية العربية في القرن التاسع عشر.

عاشت الدول العربية، خصوصًا الشرق الأوسطية، طيلة قرون تحت النفوذ العثماني، الذي تراجع صيته في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، بفعل تضافر عدة عوامل ساهمت في اضعاف الرجل المريض، ومعه الدول العربية التي عاشت سنين من الجمود السياسي والاقتصادي والثقافي، الى حدود حملة نابليون الفرنسية على مصر في نهاية القرن 18، والتي استمرت ثلاث سنوات، حيث أحدثت الصدمة في نفوس المصريين بعدما احتكوا ببعض مواطني أوروبا ولامسوا التقدم الصناعي والنوعي، خصوصًا منه العسكري، والفكري، نعم ساهمت الحملة البونابارتية (نسبة إلى بونابرت) في بعث الشعور العربي القومي، ولامست عقولهم فكانت بمثابة الصعقة الكهربائية التي أيقظت دون أن تقتل، بونابرت الآتي من بلاد الثورة والحرية، حمل معه مبادئها الثلاثة: الحرية، والمساوة، والإخاء، ومن جملة ما حمله معه إلى مصر العديد من العلماء والمحصلة اكتشاف خلال هاته المرحلة حجر رشيد الذي تم معه فك لغز الكتابة الهيروغليفية التي تم تفسيرها بمقارنتها باللغة اليونانية ونصوص هيروغليفية أخرى، كما أن سياسات التتريك العثمانية بحق الشعوب العربية، وقيام محمد علي بإصلاحات جوهرية مست تحديث مصر ساهمت بشكل مباشر في ظهور مفكرين دعوا إلى تجديد الروح العربية، ومن ثم طرح السؤال التاريخي والجوهري: لماذا تقدم الغرب وتأخر الشرق؟

للإجابة على هذا السؤال المعقد طرح عديدون أسباب تخلف العرب، نقترح دراسة بعض المتنورين البارزين أمثال: عبدالرحمن الكواكبي ففي كتابه (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) أرجع التخلف، للحاكم المستبد، فهو سبب تأخر أمة بأكمها؛ لأن استبداده قطع عنها تعطشها للحرية وللحق، حيث بين كيف أن الحاكم المتجبر الذي يحكم بقبضة من حديد على رعاياه يكبلهم عن الإبداع وعن النظر الى أسباب تخلفهم، لذلك فهو يحاول قمع كل الأصوات المنادية بالعدالة والكرامة الإنسانية والمستبد هنا يقصد الكواكبي بالأساس الدولة العثمانية، تعرض الكواكبي بسبب مواقفه وأفكاره لمحاولة اغتيال قبل أن تنتهي حياته بشكل مأساوي؛ فبعدما أخرج كتابه الشهير (طبائع الاستبداد) دس له السم في قهوته وتوفي مباشرة، كتب عنه الشاعر حافظ ابراهيم البيتين الشعريين المؤثرين في نعيه:

هنا رجل الدنى هنا مهبط التقى … هنا خير مظلوم هنا خير كاتب

قفوا واقرأوا أم الكتاب وسلموا … عليه فهذا قبر الكواكبي

وإن اغتيل الجسد فقد بقيت الروح والفكرة شامخة كشموخ صاحبها.

أما شبلي إشميل فاعتبر المذهب العلماني المتواجد بالضفة الأخرى أرقى نماذج للحكم السياسي؛ لأنه يفصل الدين عن الدنيا، فالأول لا يعنينا الا في الأخرة ومن ثم وجب إزاحته من حياتنا السياسية والاقتصادية تفاديا لاشتعال العصبيات الطائفية، أما الثانية فهي المبتغى والهدف.. كما أنه دعا إلى الاهتمام أكثر بالعلوم الحقة (فيزياء، طب، بيولوجيا…) هذا الطبيب المسيحي، لم ينظر إلى إمكانية النهضة العربية، إلا بالرجوع إلى الأنظمة السياسية الغربية واستلهام نماذجها المتطورة، لكنه لا يفسر لنا كيف يمكن تكييف هاته العلمانية مع واقع مجتمعي مغاير لما هو موجود في أوروبا؟

كما تأثر بعض الطلاب العرب المقيمين في بلاد المهجر الأروبي بما هو حاصل من تقدم صناعي ونوعي، فقد دعا مفكر آخر هو قاسم أمين إلى الاهتمام بالمرأة باعتبارها نصف المجتمع، بل كل المجتمع، فدعا إلى تعليمها وتحريرها من اللاهوت العربي الذي يكبلها عن الانخراط الإيجابي في المجتمع والمساهمة في تنويره، إن ما يقصده قاسم أمين في كلامه على ضرورة تحرير المرأة هو إصلاح الوضع الذي تعيش فيه، خصوصًا في العادات والتقاليد وإعادة النظر في التشريعات الدينية التي تكبل انطلاقة المرأة نحو الأمام، ووقف استبداد الذكور بهن، فالمرأة تابع للرجل كعلاقة العبد بسيده فهي في حاجة إليه دائمًا في كل أمورها، فهي لا تعد إنسانًا مستقلًا، بل تابعًا للرجل.. لذلك يخلص أمين إلى أن المرأة الغربية هي نموذج التقدم الذي عرفته النساء الأوروبيات، فلا شيء حسبه يمنع المرأة العربية من أن تشتغل في التجارة والصناعة والعلوم.. سوى جهلها وتربيتها المتدنية.

نخلص إذًا الى أن من بين أسباب تأخر العالم العربي، كما نظر لذلك مفكرونا الكبار إلى أسباب سياسية (الاستبداد) وأسباب دينية (جمود الفكر الديني).

لكن لا يمكن إغفال جوانب أخرى مساهمة في ذلك وهي التدخلات الخارجية المعرقلة للنهوض والتنمية، خصوصا من الدول الاستعمارية السابقة (فرنسا، وبريطانيا) والجديدة (الولايات المتحدة)، نختم ما سبق ذكره بمقولة العالمة الفيزيائية الشهيرة ماري كوري الحاصلة على جائزة نوبل للفيزياء سنة 1903 (طريق التقدم ليس سريعًا، وليس سهلًا).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عربي
عرض التعليقات

(0 تعليق)