لا تظنوا الخيانة هي التعامل مع العدو فقط، أو تنفيذ مخططه، أو التماهي مع أجندته، أو قبض أموال أو سرقة ثروات، هذه خيانات صغرى بجانب خيانة أكبر بكثير.

إن الخيانة الكبرى والتاريخية والتي تستغرق ـ بطبيعتهاـ أجيالًا، وهي السبب المباشر في الإخفاق في جميع المجالات، هي إدخال الأمة في الاغتراب وإفقاد الانتماء.

الاغتراب هو الانسحاب من الشأن العام، والخروج من الانتماء للأمة، والإغراق في القضايا الفردية والشخصية.

الانتماء يتحقق بثلاثة أمور: استقرار الهوية المرتبطة بعقيدة الأمة، واستقرار وإعلاء القيم التي تؤمن بها، وتحقيق المشاركة في صنع القرار العام، السياسي والمجتمعي والاقتصادي، وما يرتبط بالشأن العام.

والاغتراب يتحقق بأن تُظلم وتُقهر جموع الأمة وغالبية الشعب عن عقيدتها، وإرادتها، وحريتها وحقوقها، فيجد الفرد نفسه غير موجود، وغير ممثَل، عقائده محارَبة وهويته محارَبة وقيمه محاربة، هديه وسمته محارَب، وهي عقيدة وقيم وهوية ما يقرب من 80% من الشعب من خلال انتخابات متلاحقة، والحقيقة أكثر من ذلك.

إذا وجد الفرد أن طموحه لنمو بلده وتطهيرها يدمَر، وحلم استقلال بلاده وامتلاكها لمقدراتها وتحرير إرادتها يقضى عليه، وأن طموحه في امتلاكه لغذائه وسلاحه ودوائه يصادَر، مع حرب هويته ودينه بل وأشخاصه ورموزه، فالنتيجة المباشرة هي انسحاب الجماهير عن المشاركة وتركها للساحة خالية، وعندها يقفز الأراذل والفاسدون والسفهاء والأوباش ليقودوا الأمة ويتلاعبوا بعقولها ويستولوا على مقدراتها، ويتقاسمونها بينهم وبين العدو الخارجي.

إن الظلم والقهر والاستبداد يقتطع من الانتماء ويضعفه، ويخرج الإنسان عن المشاركة إلى الانزواء الشخصي، بل وتفضيل الهجرة لأنها لم تعد بلاده، فمن قهر أغلب الأمة وأدخلها في نفق مظلم، وأتون ظلم، ومظالم مغرقة، قد أنهى انتماء هؤلاء وأضعفهم وأخرجهم من المشاركة، ومن ثم من معادلة البناء، فأي طلب بعد ذلك لبناء أو تقدم هو كذبة كبرى وتناقض صارخ وكلام أجوف وشعارات فارغة.

لا تتكلم عن الإرهاب في سيناء أو نزعات النوبة الانفصالية أو المعادلة المقلوبة للكنيسة، بل تكلم عن التهميش والظلم وتغييب الأمة وإفقادها لانتمائها تحت مطارق الظلم والتهميش والتغريب واحتقار القيم الدينية ومحاربة الهوية الإسلامية ومصادرة الحقوق، فبالعدل قامت السماوات.

ليس هناك تقدم صناعي أو تكنولوجي أو اقتصادي إلا باستقرار مجتمعي، والاستقرار المجتمعي لا يتحقق إلا بمشاركة الأمة كلها والقضاء على التهميش، وأن تشكل الأغلبية بناء وشكل المجتمع والدولة مع احترام الأقليات والاتجاهات المختلفة بحيث تجد مكانها ومشاركتها، وكل هذا لا يتحقق إلا بتمثيل هذه الأغلبية في نظام سياسي يحقق تواجدها ويحقق من ثم مشاركتها وفاعليتها.

إن أي مشروع حضاري للتنمية والتقدم والانعتاق لا يتحقق ـ في أي دولة أو أمة- إلا بتفعيل هويتها الأساسية وبناء نظام المجتمع على أساسها وتشكيل النظام السياسي على وفق هذه المبادئ، ومن ثم يتعمق الانتماء ويصير كل فرد، ولو بسيط، حاملًا لهَمّ (الأمة)، ويضحي من أجلها ويصبح البُعد القومي متحكمًا ـ حقيقة وليس بالأغانيـ في نفس كل عامل وكل امرأة وكل طفل، وتصبح التنشئة والتوجيه ميسورين لهذا الاتجاه، وتصبح عندك (أمة) لها (مشروع) تجتمع عليه بعمق بكل أطيافها، مسلمين وغير مسلمين.

من هنا تجد الفرد الياباني مهتمًا ومشغولًا بانتمائه لبلده، ومقدمًا لها على اعتباره الشخصي، وتقدُم بلده هو تقدمه وأمنيته، فيعمل مجهول الشخصية من أجل حلم واحد وهدف واحد، ذلك أن هويته محققة وقيمه محترمة ومشاركته فاعلة، والسلطة الموجودة بالفعل تمثله وتمثل أحلامه وطموحاته ومخلصة له ولأمتها وبلادها ومشروعها، بهذا تنجح الخطط والمشاريع التنموية والاقتصادية، وتنجح البلاد في تحدياتها، وتقفز الأمم بوثبات بعيدة لتحقيق طفرات معجزة.

لهذا خاف العدو من مرحلة البناء الحقيقي بعد الثورة، لقد خاف من النجاح وهذا هو سبب المحاربة، وليس السبب هو الإخفاق، ولهذا كانت الثورة المضادة، وكان الدور الخطير الذي قام به الانقلاب العسكري، لقد كان هدفه واتجاهه هو القضاء على هذا الاتجاه خشية بناء المؤسسات وتلاحم الأمة وتفعيل إرادتها وفرض أهدافها، كما خاف وبادر قبل أن تجني الأمة ثمرة حريتها وثورتها وهويتها.

 

إن حرب هوية الأمة وعقائدها ودينها، ومن ثم القهر والظلم والاستبداد، ثم إعلاء الأقليات الاقتصادية والفكرية والسياسية والدينية على حساب الأمة، هذا مشروع انتحار وهدم أمة من الداخل، وهذه هي أعظم خيانة.

إن الأغاني لن تبني أوطانًا، ولن تحل مشاكل، ولن تحقق انتماءً، كما أن الخداع لا يدوم.

إن الهزيمة العسكرية لأمة حية وحاضرة ومفعَّلة ومشاركة متحقق فيها العدل وقيادتها ممثلة لها وهويتها حاضرة وقيمها سائدة، إن الهزيمة العسكرية في هذه الحال لا تكسر أمة بل تشحذ همتها وعزيمتها فتعود تنتصر، بل وتستأصل عدوها.

أما أمة فاقدة لوعيها ومحارَبة في هويتها وقيمها وشرفائها وقادتها هي أمة تموت بلا حرب أو هزيمة، فهل تُرى ما يحدث، يحدث عن عمد لخدمة العدو في الخارج، أم لحساب أقليات سياسية وفكرية ومافيا الفساد وجمعية المنتفعين، لتنسحب غالبية الأمة وشرفاؤها فتتقافز القرود والسفهاء والأراذل؟ وينزوي الحكماء والأشراف ويبقى الراقصون؟

هنا الخيانة، لكن إن من بيده الخير يدبر الأمر ويقدر الأقدار، واليوم هناك شرفاء يأملون في الله، و

الله عند ظن عباده به، ونحن نرجو منه تعالى الخير كله، فإنهم لا يعجزونه أن يأتي بنيانهم من القواعد، شأنه تعالى مع كل ظالم ومحارب لدينه وماكر بأوليائه ومفسد في الأرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد