تحدثنا في المقال الأول : البيمارستان و أمية أوربا

عن نسبة الأمية في أوروبا فيما بين القرن التاسع وحتي القرن 12م و التي بلغت  أكثر من 95%. و عن ابتكار المسلمين علوماً جديدة لم تكن معروفة قبلهم وسموها بأسمائها العربية كعلم الكيمياء وعلم الجبر وعلم المثلثات.

وها نحن بصدد التحدث عن  اقتصاد العصور الوسطى، خاصة من القرن التاسع وحتى القرن الحادي عشر  و الأقرب إلى أن تكون مظلمة، حيث أصيبت حضارة غربي أوروبا بالوهن ، ولم يتبق من حضارة الرومان القدامى سوى قلة قليلة من مدارس الأديرة والكاتدرائيات والبلاط والقصور الملكية، أما العلوم التي نقلت عن اليونانيين فقد اندثرت تقريبًا، وكان الذين تلقوا علماً فئة قليلة من الناس، كما ضاع الكثير من المهارات الفنية والتقنية القديمة، وأمسى العلماء في جهلهم، يتقبلون الحكايات الشعبية والشائعات على أنها حقيقة.

وفي مقابل الظلام الدامس الذي خيم على غرب أوروبا، كانت الحياة أكثر إشراقًاً في جهات أخرى من العالم، فقد كان المسلمون في الأندلس في نفس الوقت يعيشون ثراءً حضارياً وثقافياً، ومن أبرز ما انتقل من الأندلس إلى الغرب وهو أهم أسباب تطور الحضارة الغربية هو علم الفلسفة الذي أخذه العرب من اليونانيين خصوصاً كتب الفيلسوف ابن رشد وشرحه لأرسطو.

العصر الذهبي للإسلام

يستخدم وصف العصر الذهبي للإسلام وصف مرحلة تاريخية كانت الحضارة الإسلامية فيها متقدمة، وتمتد من منتصف القرن الثامن لغاية القرن الرابع عشر والخامس عشر الميلادي خلال هذه الفترة، قام مهندسو وعلماء وتجار العالم الإسلامي بالمساهمة بشكل كبير في حقول الفن والزراعة والاقتصاد والصناعة والأدب والملاحة والفلسفة والعلوم والتكنولوجيا والفلك، من خلال المحافظة والبناء على المساهمات السابقة وبإضافة العديد من اختراعاتهم وابتكاراتهم .

 

بلاد الأندلس

الاقتصاد

أحدثت الحضارة الإسلاميَّة تحوُّلاتٍ اقتصاديَّة هامَّة، حيث تحول الاقتصاد من كونه زراعيًا بالمقام الأول إلى حضريًا وتنوع النشاط الاقتصادي في بلاد الأندلس بين زراعة وصناعة وتعدين.

يُعد السوق واحدًا من أهم الأماكن في المدينة الإسلامية، حيث تجارة مختلف المنتجات، وقد شهدت الأسواق ميلادها بشبه الجزيرة في العهد الإسلامي. ولاقت منتجات المعادن والمشغولات اليدوية مثل تلك المصنوعة من الحرير والقطن والصوف الرواج التجاري.

كانوا يصدرون منتجات المناجم ومعامل الأسلحة ومصانع النسائج والجلود والسكر وبرعوا في الزراعة.

وكان يتم تصدير بعض المشغولات الفارهة، والتي تم إنتاجها بالأندلُس، إلى أوروبا المسيحيَّة والمغرب العربي والشرق. وكانت الورش والمحال التي يُصنع بها هذه المنتجات ملكًا للدولة. وكانت مالقة تشكل إحدى أهم أقطاب صناعة الفخار في العالم، حيث كانت تُحاك الألواح والمزهريات المزخرفة، والتي حققت شهرة كبيرة في دول حوض البحر المتوسط كان العبيد مصدرًا للأعمال اليدوية، وكان يتم التفضيل بينهم بناءً على العرق، حيث كان يُعهد لكل فئة منهم كميات مختلفة من الأعمال.

الزراعة

استخدم المُسلمون طرقًا حديثة للزراعة أو ما يُعرف باسم وسائل الهندسة الزراعية، إضافة إلى الطرق العملية في الري مع الاستعمال ‏الجيد للأسمدة لزيادة إنتاجية الأرض، وقد أنتجوا أنواعًا جديدة من الفاكهة والأزهار، مثل قصب السكر والأرز والقطن والموز، ووضعوا تقويمًا زراعيًا خاصًا سُمي بالتقويم ‏القرطبي، وأبدعوا في طرق تطعيم النباتات.‏

ولأن علماء الزراعة كانوا قد استحسنوا هذه العملية، أقيمت البساتين التي كانت بمثابة حقل تجاربهم، حيث كانوا يستعينون بأحدث ‏المؤلفات في العلوم الزراعية.

وبفضل ما قدموه للزراعة، فقد تطورت وبلغت ذروتها، واقتبست أوروپَّا الأسس العلمية الزراعية التي توصل إليها المُسلمون.

تمت زراعة القمح والشعير بالمناطق الأندلُسيَّة الجافة، كما راجت زراعة الحبوب والفول، الذين كانا يُشكلان الغذاء الأساسي للشعب.

وجرى استيراد الحبوب من شمال أفريقيا في المناطق الأقل إنتاجًا.

نمت الزراعة نموًا مزدهرًا وأُدخلت زراعة الأرز إلى شبه الجزيرة خلال هذه الفترة، مثلها مثل الباذنجان والخرشوف وقصب السكر والزيتون والكتان. واشتهرت بعض المناطق بزراعة أنواع مُعينة من الفواكة، فعلى سبيل المِثال اشتهرت بلدة سينترا، الواقعة حاليًّا بمحافظة لشبونة، بالكمثرى والتفاح.

وما زالت منطقة الغرب بالپرتغال تتميز حاليًا بإنتاج التين والعنب.

وتوضح المعلومات الاقتصادية المتوافرة عن تلك الفترة من تاريخ الأندلس أن القمح كان المحصول الرئيس، ويبدو أنه كان يزيد على حاجة السكان في أغلب الأحيان . كما احتل الزيتون مرتبة مهمة فعُمد إلى توسيع نطاق زراعته وتحسينه لا سيما في المناطق المحيطة بمدينة جيان التي لا تزال حتى اليوم تعيش على الزيتون مصدراً رئيسيا لاقتصادها. وأدخل العرب في سنوات ما بعد الفتح مزروعات جديدة إلى الأندلس شملت الحمضيات واللوز والتين والدراق والرمان والموز والزعفران والحلفاء والقطن والكتان وقصب السكر والمشمش”ومع الزمن أصبحت بلاد الأندلس كأنها بستان واحد متصل، كثيرة المبنى والثمار، وإذا سافر المرء من مدينة إلى أخرى، سار في مناطق عامرة مأهولة تتخللها قرى كثيرة نظيفة ومبيّضة الدور من الخارج، ولم يحتج المسافر أن يحمل معه زاداً أو ماءً.

وسدّ تطوّر الزراعة في الأندلس حاجة الاستهلاك المحلي وقدم جزءاً كان يُصدر إلى الشمال الإفريقي ومنه إلى مصر، وربما وصلت بعض المنتجات إلى بغداد.لكن هذا لا يعني أن الخير كان عاماً؛ إذ تسببت عوامل كثيرة في إضعاف المحصول في بعض السنين وحتى في وقوع مجاعات عدّة، كما حدث عامي 815 (199 هـ) و915 (302 هـ)عندما مات أكثر الخلق جهداً. أما في الأوقات غيرها فقد استطاعت الأندلس النهوض من محنتها ومتابعة صنع الرخاء الذي عرفته حتى في أوقات ضعف سلطتها السياسية.

واستفاد الأندلسيون في نشاطهم الزراعي من القنوات التي بناها الرومان في القرن الأول المسيحي، لكنهم زادوا عليها وأصلحوا القديم منها وحسّنوه وشقوا قنوات جديدة. وأتقن الأندلسيون التعامل بفنون السقاية وجلب المياه من مسافات بعيدة.

ومع انحسار الوجود العربي في منطقتي غرناطة وبلنسية نتيجة توغل ملوك الشمال في الأراضي الأندلسية، مع مرور الزمن تكثّفت الخبرة وتحولت المنطقتان إلى اثنتين من أخصب بقاع أوروبة، وبقيتا كذلك حتى رحّلت السلطات القشتالية الأندلسيين في بداية القرن السابع عشر.

وتعرض النشاط الزراعي في اسبانيا نتيجة الترحيل وأسباب أخرى إلى كارثة بسبب الإهمال استمرت حتى مطلع القرن التاسع عشر عندما تجدّد الاهتمام به اعتماداً على الكتب الزراعية التي وضعها الأندلسيون. ومع الزمن أصبحت اسبانيا من بين أكثر الدول إنتاجا للزيتون والدرّاق، وهي اليوم أكبر مصدر للزعفران ومركز الاتجار به مدينة البسيط جنوب غربي بلنسية.

 

 

الثروة الحيوانيَّة

كان للثروة الحيوانية دورًا أقل تأثيرًا في الجانب الاقتصادي، فظهرت أهميتها القصوى في الغذاء والنقل، فيما لعبت دورًا أقل في الأعمال الزراعية.

وكانت تربية الماشية أمرًا شائعًا، وخاصة الأبقار والماعز فيما مثلت الأرانب والدجاج مصدرًا للغذاء ودمج المسلمون النظم الهيدروليكية التي طورها الرومان مع تلك التي طورها الغربيين وقاموا بتطويرها بشكل يتناسب مع التقنيات الزراعية التي جلبوها من المشرق كالمحراث والساقية والشادوف والنورج. وأنشئوا طواحين المياه على طول الأنهار، وساعدتهم الرياح على التحكم بذلك، وأدخلوا السواقي لسحب مياه الآبار ورفعها، وقد أخذت أوروپَّا عنهم هذه التقنية.

التعدين

استمرت مرحلة استكشاف المستودعات المعدنية في شبه الجزيرة خلال هذه الفترة، مثلما فعل الرومان قبلًا. ونشط التعدين كثيرًا مقارنة بالفترة القوطية، فبرزت تجارة الحديد والنحاس، إضافة إلى زئبق مدينة المادن. وكان يُستخرج الذهب من بعض الأنهار مثل سيجرا والوادي الكبير وتاجة. فيما كان يتم استخراج الفضة من مرسية وباجة وقرطبة، بينما الحديد من ولبة وسان نيكولاس ديل بويرتو. وكان المستودع الأكبر للزنجفر في المادن، بينما النحاس في طليطلة وغرناطة، والرصاص في قبرة، والقصدير في منطقة الغرب فيما كانت محاجر الرخام في سييرا مورينا، إلا أنه لم يكن ممهدًا للاستخدام في المواد البنائية وكان يجب استيراده .

 

الصناعة والتجارة

كانت الأندلس منذ الفتح حتى سقوط غرناطة دائمة الرواج الصناعي والتجاري على الرغم من بعض الاضطرابات التي ضربتها من حين لحين. فتطورت أشكالهما بشكل كبير خلال القرنين الثالث والرابع الهجريينالتاسع والعاشر الميلاديين، وحظيت بشهرة واسعة في الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، واشتهرت عدد من مدنها بصناعات مختلفة كمالقة وألمرية وغرناطة. ويُعد هذا التطور تقدمًا لم تشهده البلاد قبل الفتح الإسلامي. وبرز هذا النشاط في صناعة الجلود والخشب والأسلحة وضرب العملة وصناعة الخمور والسكر والزيوت والزيتون والصابون والأدوية، والصناعات المعدنية مثل الذهب والفضة والحديد والرصاص وصناعة الزجاج والزئبق والرخام والكُحْل والكبريت الأحمر. وكانت تصدر من هذه الصناعات الجلدية والفخارية والزجاجية ومبريات الخشب وأدوات الموسيقى والمصنوعات المعدنية والبسط والورق والكتان والحرير، ومواد الصباغة مثل الزعفران. وقام أهل الأندلس بتصنيع الورق لتسهيل العلم ونشر الكتب والمعرفة، ليصبح هو الأداة التي يتم استخدامها في الكتابة بدلًا من الجلود. واشتهرت بعض المدن مثل غرناطة وبلنسية وطليطلة وشاطبة بصناعة الورق. وقاموا بتأليف كتاب للطبخ الأندلسي حتى يعلموا الناس كيفية استخدام التوابل المصدرة إليهم.

ترجع أسباب تطور الصناعة والتجارة إلى قيام الدولة بتشجيع ودعم النشاط الصناعي، مما نتج عنه تقدم في مختلف الصناعات خاصة الأسلحة والسفن، بالإضافة إلى تقدم الصناعات النسيجية والخزفية والعاجية والجلدية وغيرها من الصناعات التي لها دور في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتقنين التجارة وتعيين مراقبين يراقبون الحركة التجارية في الأسواق وقوة الأسطول التي أدت إلى تأمين السواحل والإعفاء من المكوس أو المغارم التي كانت مفروضة أيام دويلات الطوائف وعدم إقحام الدولة نفسها في النشاط التجاري، إلا تلك التي كانت تتطلب الحصول على إذن ‏خاص، مثل بناء الحمامات وصنع الأسلحة وصك النقود وتركيب الأدوية والتطبيب والحجامة، وتعويض الخسائر التجارية وتوفير سيولة الإقراض، وكان خير مثال على ذلك طائفة قرطبة التي كانت تُقرض التجار رأس المال، ويحتفظوا هم بالربح فيما يعود رأس المال للدولة، وظهور الأسواق الخاصة بالبضائع مثل سوق للنحاسين، وسوق للزهور والشحوم وسوق للزيتون .

كان لهجرة اليد العاملة من المدن التي شرد الإسپان سكانها إلى جانب الجاليات الأخرى إلى مملكة غرناطة دورًا كبيرًا في الحفاظ على تراثها والصناعات التقليدية الأندلسية بها. فقد تنوعت صناعات النسيج والفخار والرخام والمعادن الزجاج والزيوت والسفن والسلاح. فأصبحت هذه المملكة تعج بالنجارين والمهندسين والزلاجين والخياطين والعشابين والسراجين والحدادين. وقد تعاون هؤلاء الفنانون في حرفاتهم، واستطاعوا إبراز الفن الحرفي الغرناطي في أبهى صورة. وقد بدأت المنسوجات الغرناطية في الظهور بسبب وفرة كل من أشجار التوت في وادي آش وبسطة والمنكب وجبل الثلج، والقطن والكتان والحرير والصوف في غرناطة، وكانت تُباع لملوك أوروپَّا. وأدت زراعة شجر التوت إلى إنتاج الحرير الطبيعي ليتم تصديره لتصبح بذلك الأندلس أكبر مصدر للحرير الطبيعي وبفضل الكيمياء وتوفر القرمز والعصفر كمواد صبغية، أصبح المسلمون قادرين على تلوين المنسوجات بأفضل الألوان. وعليه فقد تقدموا في صناعة السجاد والمنسوجات لتصبح واحدة من أهم الصناعات. وكانت هذه الصناعة ذات أهمية بالغة لقاطني المنطقة

اشتهرت مالقة بصناعة الجلود وخاصة الأغشية والحزم، وصناعة الجلود الغليظة المسماة بالسفن، والتي كانت تُستخدم في صناعة مقابض السيوف. وقد استمرت هذه الصناعة حتى نفي الموريسكيون من الأندلس، وبفضلهم انتقلت إلى أوروپَّا. ووفقًا لما دونه بعض الجغرافيين والرحالة، فإنه كان يتوفر بغرناطة ثروات غابوية مهمة تكسو معظم بسائطها، كمدينة وادي آش ونواحيها وشلوبرينية التي كانت تكثر فيها أشجار البلوط. أما غابات الصنوبر فكانت تكسو جبل الثلج، والتي تصلح أخشابها لصناعة السفن والمراكب التي اشتهرت بصناعتها مدينة ألمرية التي وجدت فيها دار لصناعة السفن في عهد دولة بني نصر. وبشكل عام ولتنمية هذه الصناعة، فقد أقيمت مراكز خاصة لصناعة السفن ومعداتها، وازدهرت تجارتها فأنشأوا أسطول تجاري يخرج من مالقة وميورقة لبيع المنتجات الأندلسية.

ومن أبرز الأمثلة الحية على التجارة، بشكل عام كان التجار يفدون من خارج الأندلس، فقد استقدم المستنصر صناع الفسيفساء من الروم لترصيع الجامع الكبير سنة354هـ المُوافقة لِسنة 965م وعبر الاندماج بين التجار المسلمين واليهود والنصارى، امتزجت أسواق الأندلس بفئات عدة ولغات مختلفة ولعب اليهود أيضًا دورًا هامًا في ذلك، فكانوا جنبًا إلى جنب مع السلع التجارية، كانوا ينشطون في مجال الرق وكانوا يجابون البلاد شمالًا وجنوبًا لتبادل الخبرات مع الجميع. وكان من الشائع أن يتم التعامل في الصناعة والتجارة بين الطوائف كافة، فقد ارتأت جميع الفئات أنه لا ريب في ذلك .

واعتنى الأندلسيون بمراقبة الأسواق وتوسيعها وتنظيم المهن بها والحرص على تخصص المهنيين والتجار، ومراقبة التجارة وجودة السلع وعدل الموازين ومراقبة الأطعمة لحماية صحة السكان. وكانت تتم عملية مراقبة الصناع والحرفيين من خلال تعيين شخص يُدعى الأمين أو العريف، ويكون مسئولًا عن طائفة حرفية معينة ‏ويدافع عنها أمام المحتسب إذا اقتضى الأمر، وكانوا يحددون السلع وأسعارها، كما كان يقوم بدور الخبير الفني في الخلافات التي تقع ‏بين أهل الحرفة وعملائهم حول سلعة من السلع، ورأيه كان فاصلًا أمام القاضي أو المحتسب، وكان الأمين يأخذ أجرًا من أصحاب ‏الحرف. وكان من وظائف الدولة الكبرى الحسبة وصاحب السوق وصاحب الشرطة. وألف الأندلسيون كتبًا كثيرة عن هذه الوظائف.

وأحسن الأندلسيون استغلال عدد كبير من المعادن المحلية مثل الحديد والزئبق والنحاس، فكان ذلك عاملاً مهماً في تطوير صناعة الأسلحة والمعدات العسكرية الأخرى التي كانت مستخدمة في ذلك الوقت. وشجع عبد الرحمن الثاني هذه الصناعة وذاع صيت طليطلة كمركز رئيس لصناعة الأسنّة والرماح والسيوف وغيرها من الأسلحة، ثم تطورت هذه الصناعة في العصور الأحدث فصارت تُنتج البنادق والأسلحة الفردية وغيرها.

ومع تقدم الصناعة في القرن التاسع الميلادي تمكّن الأندلسيون من إنتاج الزجاج المعروف بالظرابي الصواني والزجاج الشفاف والورق. ولمع اسم مدينة شاطبة Jativa مركزاً مهماً لإنتاج المادة الأخيرة، مما ساهم إلى حد كبير في تطوير صناعة الوراقة.

ونشطت هذه الصناعات على نطاق”ورشات“ صغيرة يعمل فيها عدد محدود من الأشخاص، سواء كان ذلك في ورشات صناعة الأسلحة أو المصابيح أو في معاصر الزيتون والمطاحن التي لا تزال أنقاض بعضها باقية حتى اليوم في قرطبة على رغم مرور أكثر من ألف سنة على بنائها.

أما الصناعات الأثقل فشملت السفن بكل أنواعها السفري والتجاري والحربي استجابة لمتطلبات الدفاع والتجارة والتنقل، وتركزت في الجنوب الأندلسي، وعلى الساحل الشرقي في مدن مثل المرية ولقنت ودانية وغيرها.

ويبدو أن إنتاج السفن كان كبيراً نظراً إلى توافر معظم المواد الأوليّة اللازمة لذلك في الأندلس وبلاد المغرب وصقليّة التي كانت تُجلب منها أخشاب السفن مثل الصنوبر والأرز والبلّوط. ومن هذه الأخشاب كانت تُصنع ألواح السفن والصواري والمجاديف، فيما توافرت المواد الأخرى بكثرة ”مثل الحديد لعمل المسامير والمراسي والروابط والخطاطيف والعرادات والفؤوس واللتوت والدبابيس والجواشن وغير ذلك من الآلات والأسلحة، والنحاس الذي تصنع منه السلاسل، والألياف لعمل حبال المراسي، والقطران والزفت لقلفطة السفن حتى لا تؤثّر المياه في ألواحها المغمورة في البحر، والقطران والكبريت اللازمين لصناعة النفط البحري وهو نوع لا ينطفىء إذا سقط في الماء، وكذلك القطران والكتّان لصناعة النار الحارقة.“

وتذكر وثائق تاريخية أن عدد السفن التي استخدمت في إخضاع سكان جزيرتي ميورقة ومنورقة عام 849 (234 هـ ( كان نحو 300 سفينة مما يدّل على اتساع صناعتها. كما استخدم عدد كبير من السفن لحراسة الشواطئ الأندلسية، لا سيما إثر الهجمات التي شنها النورمان اعتباراً من عام 844. ولا شك في أن توافر مثل هذا الأسطول لغرضي الدفاع والتجارة كان سبباً مهماً في إيجاد الاستقرار المطلوب للاستمرار في تطوير البنية الصناعية الأندلسية وزيادة رخاء البلاد.

 

الأوضاع الاقتصادية في غرب أوروبا من القرن التاسع وحتى القرن الحادي عشر ( الإقطاع )

إن اقتصاد القرن التاسع في المجتمع الغربي كـان اقتـصاداً طبيعيـاً، يتـصل أساسـاً بالأرض، بينما تدهورت المدينة باقتصادها النقدي، وتوقفت عن أن تصبح مراكز تجاريـة كمـا كانت من قبل، وقل عدد سكانها، واختفى التجار الذين كانوا ذات يوم يترددون عليها أو يقيمـون فيها، كما اختفى مع المدن الطابع المدني الذي كانـت لا تـزال تحـتفظ بـه خـلال العـصر .

لذلك فحينما نتحدث عن  اقتصاد العصور الوسطى قد نتناول ذلك الموضـوع مـن ناحيـة الإقطاع حيـث إن الإقطاع كان مصدر المبادئ التشريعية وصائغ الأفكار الاجتماعيـة التـي كانـت سـمة تلـك العصور . وكانت الصعوبة في إيجاد تعريف واضح لكلمة الإقطاع تكمن في اختيار علماء التـاريخ لمصطلحات ارتبطت بالإقطاع مثل : النبالة والسيادة، لكن المتأمل في الحياة الإقطاعية يجـد أن مصطلح الإقطاع ضم في طياته جميع الطبقات الاجتماعية من رجال ونساء وخدم وعبيد وسادة. ولم يرتكز الإقطاع على الوضع الاجتماعي والاقتصادي فقط لتلك الطبقات، بل كان يجنح إلـى التدخل في تشكيل الحياة السياسية والأخلاقية وحتى الالتزامات الدينيـة التـي كانـت تمارسـها  الشعوب العامة تحت ظل الإقطاع .

وبذلك كان الإقطاع يشكّل نظاماً دينياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، على حد سواء .

الإقطاع : هو نظام شامل لعدة أنظمة تحكم المجتمع، وهو يوضح أو يحدد موقف الفرد وعلاقته بمن هو أعلى منه، وبمن هو أدنى منه، ويتضمن نظاماً اقتصادياً يعتمد أساساً على الأرض ” الزراعية  ” .

وبذلك يكون الإقطاع بصورة أوضح هو مجموعة من النظم والقوانين خضع بموجبها رجل حر لرجل حر آخر هو السيد، أدى له يمين الولاء والخدمة لا سيما الخدمة الحربية، ونظيـر ذلـك  التزم السيد بحماية تابعه والإنفاق عليه، ثم تطور الأمر حد منحه قطعة أرض اتخذت اسم إقطاع . لذلك فإن نظام الإقطاع يرتبط بالأرض ارتباطاً وثيقاً، تلك الأرض كان الإمبراطور يهبهـا للملوك، وأولئك يمنحونها للأشراف والنبلاء، وأولئك لمن دونهم، وهكذا إلى أن تصل إلـى رقيـق الأرض في أسفل السلم الإقطاعي، ويتوارث حق استعمال تلك الأرض الابن عن أبيه بعد أن يتعهد القيام بواجباته الإقطاعية لسيده المتبوع .

وربما كان من الصحيح أن نقول : بأن الإقطاع حالة لم يتم فيها إحلال السلطة على أسـس تحالفية شعبية قومية من قبل الأفراد تجاه حكومتهم المركزية، ولكنها وضعت على أسـس خاصـة تتعلق بالأفراد فيما بينهم، تلك العلاقة التي جعلت من السيد شخصية نمطية مالكـة لـلأرض لهـا مميزات الحاكم والقائد الحربي، فيما يظهر التابع متلقياً لكل تلك الأمور، ومسيطراً عليه فيها  ومن أهم أسباب ظهور الإقطاع في القرن السادس الميلادي اتحدت ظروف شتى مع بعضها البعض، وأثرت تأثيراً كليـاً في تحول الاقتصاد في الغرب الأوروبي، وساهمت تلك الظروف إسهاماً تاماً في التجهيز لظهور نظام الإقطاع . كانت التجارة والصناعة في غرب أوروبا نادرة الوجود بالنسبة للـشرق الأوروبـي، إلا أن بعض النشاطات التجارية ظلت نشطة في حوض المتوسط، أما التجارة البرية فكانت ضـئيلة لأبعد الحدود .

وكان سبب تقلص التجارة البحرية هو ارتفاع تكلفة عمليات النقل البحرية، مقابل أربـاح قليلة، حتى في عهد الدولة الكارولنجية كان التجار قلائل. إضافة إلى فتوحات المسلمين في تلـك الفترة على المناطق الساحلية للمتوسط ، فقد فتحوا عدة جزر في البحر المتوسط مثل جزيرتي صقليا و مالطا، وفي مطلع القرن الثامن فتحوا على معظم الجزيرة الأيبيرية أسبانيا  إضافة إلى تعرضها لتهديدات أتت عبر البحر وهي هجمات (الفايكنج) التي بدأت في مطلع القرن الثامن الميلادي، واستمرت حتى القرن الحادي عشر،  ومع نشوء الممالك الألمانية، انقطعت سبل التجارة في العالم الروماني والغربي؛ مما دفع التجار لسلك الطرق الرومانية القديمة، ولم يكن هناك توقفاً تاماً للتجارة، فقد كانت هنـاك دائمـاً  قلة من التجار الذين غامروا بحياتهم وبضائعهم في تلك الطرق الوعرة

استمرت التجارة لكن ليس في أي من أساسيات الحياة، ولكن في مواد الرفاهية، والتوابل والمواد اللازمة لثياب البلاط وملابس رجال الكنيسة، حيث إنها كانت بضائع لا تواجه مـشكلات كثيرة في الشحن . ومعظم أولئك التجار المتجولين حملوا بضائعهم على ظهور الخيـل؛ بـسبب وعـورة المسالك التي حالت دون تحميل البضائع على العربات . وكان للحروب والغزوات الجرمانية أثر على تحطم الطرق، كما نبعت خطورتهـا مـن  انتشار قُطّاع الطرق فيها، فلم يعد هناك سبيل للحفاظ على الاتصال والتبادل التجاري وغيرها . وفي تلك الأثناء ظهرت الصوامع وقـد دأب رهبانهـا على حرث الأرض والاشتغال بالمهن الحرفية، حيث بدأت الكنيسة تمثل الحركة المركزية المتجهة إلى اقتصاد شبه منعزل في الريف. ولم يعِ الناس تلك التطورات، ففي جو القتال والحرب والاحتمال الوشيك لأي هجوم كان الناس يدأبون على الالتحاق بالتشكيلات الأمنية التي شكلها السادة والأساقفة، وقد كانوا يبنون بيوتهم بجانب بيت نبيل أو سيد من السادة، أو بجانب صومعة ما؛ طلباً للحماية أي بجانب أي شخص له القدرة على القيادة. ولكن فهم أولئك السادة للرعية كان مغـايراً، فقـد كـان الرجال الذين لا يستطيعون حماية أنفسهم، يعرِضون ممتلكاتهم إلى جانب خدماتهم على أحد النبلاء مقابل الحماية والإيواء، وبالتالي كان النبيل يمنح أولئك الرجال قطعة صغيرة من الأرض بجـواره قابلة لإلغاء الملكية في أي وقت .

وبانتهاء التجارة انتهت مدن بأكملها، وتحولت معظم المستعمرات الرومانية إلى مجرد قرى يقطنها عمال زراعيون؛ مما تسبب في شبه انتهاء للصناعة المدنية لغرب أوروبا التـي انخفـضت بشكل مريع، عدا عدة مدن في إيطاليا، وقد اعتمدت أوروبا في تلك الفترة بشكل كلي على الاكتفاء الذاتي بالناتج المحلي؛ فلم يعد هناك طلب على المواد المصنعة  وبسبب تدافع الملوك والسادة على السيطرة والقوة؛ اضطر الأساقفة والفلاحون لإيجـاد طريق لهم في خضم ذلك المعترك بالرغم من أنه كان يفترض في تلك الطبقات الانصياع لمـن هم أعلى منهم منزلة ورتبة.

العبيد

هم الذين كان عملهم الجسدي في منزل السيد غير كاف وغير مفيد فنقلهم للعمل في الأرض الزراعية . واقتصرت خدمة العبيد في إنجلترا على الخدمات المنزلية، أما في فرنسا وخاصة فـي منطقة اللورين فلم تكن العبودية تلقى أي اهتمام، أما في ألمانيا فقد ارتفعت العبوديـة إلـى أعلـى مستوياتها في القرن العاشر الميلادي، حيث كان يتم اختطاف وبيع العبيد؛ من أجـل العمـل فـي الأراضي الزراعية الألمانية، أو بيعهم في الأراضي الإسلامية أو البيزنطية، وكـان أحيانـاً يـتم اختطاف مسلمين ويونانيين من قبل تجار العبيد من شواطئ البحر الأسود ومن مناطق غرب آسـيا وشمال أفريقيا لنفس الغرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأندلس, تاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد