يصعب توصيف الواقع المعقد للعالم، ولذا يلجأ المحللون في تبسيط المشهد لمتغيرات معدودة من أجل القدرة على إنتاج تصوير مفهوم لهذا الواقع. في تحليلي سأصنف سكان العالم إلى فئتين متناقضتين، فئة على فوهة الفقر والقهر والاستغلال، وفئة على فوهة الثراء من جراء الاستفادة من قهر واستغلال من هم على الفوهة الأولى.
من هم على فوهة الثراء هم شعوب الشمال الأوروبي (+ أستراليا ونيوزيلاندا) ومعهم حلفائهم من النخب الحاكمة الذين يمثلون أقلية صغيرة جدًّا في بلاد الجنوب، ومن هم على الفوهة الأخرى هم شعوب الجنوب المقهورة والمستغلة، القابعة تحت استعمار تحالف فوهة الثراء، والشفاطة بين الضفتين هو رأس المال العالمي المتركز في الشمال الأوروبي والشفط فيها يكون في اتجاه واحد، من الجنوب إلى الشمال، مع بعض الفوهات الصغيرة لدفع أجرة النخب الحاكمة في الجنوب لقاء تحالفها مع شعوب الشمال

فأي فرد في هذا الوصف المبسط للعالم إما مستغِل بكسر الغين، أو مستغَل بفتحها، كل منهم يعيش في عالم مختلف جذريًّا عن الآخر، حتى وإن كانوا على الجغرافيا نفسها، فالنظام العالمي يتعامل مع كل منهم بشكل متباين، نجد الأسواق والمجتمعات والدول حول العالم في أغلبها مدفوعة لتفضيل التعامل مع فرد فوهة الثراء واحتقار فرد فوهة الفقر.

يشتكي الشمال الأوروبي الآن من ضغظ هجرة شعوب الجنوب إليه بأعداد تتجاوز طاقة تسامحه وقبوله الآخر وقدرته على إخفاء أفكاره العنصرية المترسخة منذ قرون. فهو يعتبر المهاجرين من الجنوب كالبهارات، القليل منها مرغوب، والكثير منها يفسد الطبخة. نسمع كلنا عما يسمي بصعود اليمين في الغرب، وقضيته المركزية هي معاداة المهاجرين والحفاظ علي الهوية الأوروبية من الغزو الثقافي الذي يصاحب الهجرة بأعداد كبيرة من شعوب أجنبية.

صعود اليمين المتطرف هو رد فعل على تزايد أعداد المهاجرين من الجنوب إلى الشمال الأوروبي، من آسيا الوسطى والقوقاز إلى روسيا، من الشرق الأوسط وأفريقيا إلى أوروبا، ومن أمريكا اللاتينية إلى الولايات المتحدة وكندا. نجد في كل مناطق الشمال الأوروبي الخطاب نفسه لما يسمى باليمين المتطرف وحجم ضغط الهجرة نفسه من جنوبه. ولكن ما يغفل عنه هذا التيار المعادي للمهاجرين ويسمي هذه الهجرة بالغزو، هو أن هذه الهجرة رد فعل طبيعي لغزو معاكس، وهو غزو رؤوس أموال الشمال في الجنوب.

شركات الشمال الأوروبي مدعومة بجيوش دولها غزت وتغزو الجنوب منذ قرون، وتستفيد من المواد الخام والعمالة الرخيصة، والاستفادة من الموارد الطبيعية بأسعار بخسة، أقل من الأسعار التي قد يقررها السوق العالمي إن كان حرًّا من الهيمنة والتهديد العسكري من قبل الشمال الأوروبي. هذا الاستغلال يحدث عن طريق الاتفاق مع النخب الحاكمة في الجنوب وإخافتها وشعوب الجنوب بالتدخل العسكري إن قاومت هذه المشروعات الاستغلالية. هذه المصادرة المسلحة لثروات شعوب الجنوب والتي تتم في صورة اتفاقيات للاستثمار تفرض فرضًا على شعوب الجنوب وتكتسب شرعية زائفة من خلال حكامهم وكلاء الشمال.

هذا السطو المسلح ليس فقط السبب الرئيسي لرخاء شعوب الشمال، بل هو سبب الهجرة، القانونية و غير القانونية، لأعداد كبيرة من أفراد شعوب الجنوب إلى الشمال الأوروبي بحثًا عن نصيب في الموارد التي تم نهبها وترحيلها للشمال. فشعوب الجنوب أفقرت بسبب هذه العملية، وتركت لتلتهم من قبل الكساد الاقتصادي والبطش الجسدي و النفسي من قبل حكوماتها إن اعترضت، هؤلاء المهاجرون يهربون من الفقر والقهر الذي أنتجه النظام العالمي الذي صنعه ويقوده الشمال الأوروبي بالقوة العسكرية. هذا ما يغفل أو يتغافل عنه اليمين الشمالي العنصري المعادي للمهاجرين.

الأحرى بهذا التيار المعارض لاستقبال اللاجئين الاقتصاديين ولاجئي السياسة والحروب أنه قبل أن يطالب بوقف تدفق المهاجرين، أن يطالب بوقف التخريب الذي أدى لهذه الهجرة من خلال السطو المسلح الممارس على الجنوب من قبل الشمال تحت الإصلاح المزيف «الاستثمار» والذي فضحت حقيقته بنتائجه في الفجوة الهائلة التي نراها في متوسط مستوى المعيشة بين الشمال و الجنوب على المعادين للمهاجرين من الجنوب، أم يطالبوا شركاتهم و جيوشهم بأن ينسحبوا ويكفوا عن تخريب الجنوب مما يضطر الكثير من أهله الهجرة للشمال.

إن تركت شعوب الجنوب لاستغلال مواردها وتنمية اقتصاداتها في حرية وأمن، قليل من سيطلب مغادرة بلده ويذل نفسه بحثًا عن الرخاء الاقتصادي والأمان.

وإن يدعي أحد أن هناك أسبابًا أخرى داخلية لتخلف الجنوب غير الهيمنة الشمالية، فعليه أن يقدم دليلًا على ادعائه نموذجًا في العصر الحديث المعولم فيه، شعوب الجنوب ليست محاصرة ومقهورة و مستغلة من قبل الشمال لكي نرى الأداء الاقتصادي بهذه الشعوب في ظل حرية استغلال مواردها للتنمية الداخلية، ومن ثم نستطيع أن نحكم في هذه الأسباب الداخلية الأخرى بأنها هي المسببة للفشل والتخلف في الجنوب، ولكنه لن يجد هذا النموذج لأنه غير موجود. وسيجد نفسه أنه كالذي يلوم طائرًا على فشله في الطيران وهو محبوس داخل قفص.

فنحن نعيش في عالم مترابط، والأمم فيه إما على فوهة الثراء وإما فوهة الفقر والاستغلال، وفقط الأمة التي تقاوم الشفط وتعيد هيكلة علاقاتها بالشمال المهيمن بما يخدم تنميتها الداخلية؛ أي الأمة التي تكسر قفص الهيمنة الشمالية عليها، هي التي تستطيع أن تهرب من موقع فوهة الفقر والاستغلال.

أما عن النخب الحاكمة في حكومات الجنوب، فهم مجموعة من الناس قدم لهم اختياران لا ثالث لهما، إما أن يكونوا حلفاء لشعوب الشمال ضد شعوب الجنوب، ويكونوا على فوهة المستفيدين من قهر واستغلال هذه الشعوب حبيسة التخلف المحمي بالقوة العسكرية، وبالقيام بواجبهم في حفظ هذا النظام الاستعماري بكل السبل الخشنة والناعمة، وإما أن يتم الدفع بهم إلى فوهة الفقر والقهر والاستغلال مع شعوب الجنوب التي يحكموها بعد أن يستبدل بهم نخب أخرى تقوم بالوظيفة المطلوبة.
هم في الحقيقة وجدوا أنفسهم في معضلة عسيرة: الخيار بين الانحياز لشعوبهم المقهورة، ولكن بتكلفة مخاطر المواجهة مع الكيان الشمالي ذي قوة السحق، وبين الاصطفاف مع الاستغلال والبطش مقابل الاشتراك في الاستفادة منه.

أي صف أو فوهة ستختار إن وقعت في هذه المعضلة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المال

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد