تعد القراءة حجر الأساس في تشكيل الوعي الجمعي ونقل المعارف والخبرات بين الأمم المختلفة، بحيث ترقى الأمم بقدر ما فيها من كتاب ومترجمين ومفكرين وشعراء.

وانفتاح الثقافة العربية في العصر العباسي على غيرها من ثقافات العالم، وبخاصة الثقافة اليونانية، والهندية، والفارسية؛ لهو خيرُ شاهد على أهمية القراءة التي تعتبر الركيزة الأولى لعملية الترجمة؛ التي أسهمت في تعرف العرب إلى علوم ومعارف جديدةٍ مثل: الطب والفلك والرياضيات. وقد تجلت الثورة المعرفية في العصر العباسي بانتشار المكتبات، وكثرة المؤلفين والمترجمين، وفي المقام الأول اهتمام الحُكام بالعلم والعلماء؛ فمن مظاهر ذلك؛ إرسال الخليفة المأمون البعوث إلى الاسكندرية، وأنطاكية، وغيرها للبحث عن مؤلفات علماء اليونان وإكالها إلى المترجمين.(1)

وبالتأمل في تاريخ الدولة العباسية؛ نلاحظ أن الاهتمام بالفكر والعلم؛ ليس اهتمامًا فرديًّا من قبل بعض الخلفاء والمؤلفين؛ وإنما منهجية تبنتها الدولة العباسية؛ لأنها تدرك تمامًا أن الحضارات العظيمة تقوم على العلم، ولنا في الحضارة اليونانية أسوةٌ حسنة؛ وفي كل مراحل التاريخ التي أولى العرب فيها قيمةً للكتاب والمؤلف؛ كانت الرفعة؛ فأنتج  العصر الأندلسي مثلًا ثقافة عربية إسلامية ضخمة، حتى تعدُّ  المدن الأندلسية اليوم رمزًا للثقافة والعلم؛ مثل: قرطبة، وغرناطة.

ولا ننسى أن البيئة الثقافية في الأندلس أنشأت مجموعة من العلماء في مختلف المجالات؛ مثل: محي الدين بن عربي في الدين ، وابن رشد في الفلسفة، وابن عبد ربه في الأدب، وغيرهم كثيرون؛ أما في العصور التي تراجع فيها الاهتمام بالقراءة؛ فقد خيمت غيوم الجهل السوداء على الواقع العربي؛ فالعرب في العصر التركي (العثماني) لم يكن لهم أثر جيد في أي مجال من مجالات العلوم والآداب، لدرجة أن الأدب العربي في ذلك العصر وصل مرحلة أدنى من الحضيض؛ وقد ورد عن تردي وضع العلم في عصر الأتراك أنه: «كان محمد الفاتح يشكو من أن دولته تخلو من علماء يمكن مقارنتهم بعلماء الدول الإسلامية الأخرى»(2).

وإن قلنا إن تردي وضع العرب ثقافيًّا في العصر التركي كان بفعل سياسة التجهيل، والتتريك، ومحاربة الثقافة العربية؛ التي مارسها الاحتلال التركي؛ فأين أثر العرب اليوم على خارطة الثقافة العالمية، وقد أتيحت لهم كل وسائل القراءة والمعرفة، أم إنه بالفعل “أمة اقرأ لا تقرأ”؟

كل الدول المتحضرة تشجع مجتمعاتها على القراءة، بإقامة المكتبات العامة الضخمة، والمراكز الثقافية، وإرسال البعوث العلمية والثقافية، وبكل الإمكانيات المتاحة؛ فنجد دولة فلندا الأوروبية تشيدُ تمثالًا بعنوان “اقرأ حتى وإن كنت تغرق”؛ هذا التمثال ليس مجرد حجارة، أو مجسم يجذب السُيَّاح، وإنما يحملُ دلالات رمزية كثيرة، أهمها: القراءة عماد التقدم، وبناء الحضارات العظيمة؛ فأوربا التي كانت تغرقُ في الجهل والتخلف في العصور الوسطى، نراها اليوم تسود العالم بفعل إيمانها بالعلم، باعتباره سبيل النجاة من تسلط خُرافات الكنيسة .

وكل ما سبق يتقاطعُ مع دعوة البروفيسور صادق أبو سليمان للمجتمع والسلطة في فلسطين للاهتمام بالقراءة باعتبارها أهم أعمدة بناء الوطن؛ إذ يقول: «فليس أحد مستثنى من الإسهام بما يستطيع في مجال توفير الكتاب للقارئ والمكتبة، وكلنا مسئولون جميعًا في هذا الجانب: الأب والأم في البيت بوصفهما المثل الأعلى لأبنائهما، والمدرس في المدرسة، والخطيب في المسجد، والقائد أو المشرف في المؤسسة أو النادي وغير ذلك». ويتابع قائلًا: «نجد الدول المتحضرة تعنى بإنشاء دور المكتبات العامة التي تزودها بصنوف المعرفة المختلفة من كتب، ومعجمات، ودوريات، كما نجدها تعمل على تشجيع أبنائها للإقبال على القراءة..»(3)

إذن فالمفكرون، قديمًا وحديثًا، أدركوا أن المسئولية جمعية، وأن القراءة أخصب روافد تقدم الدول وخلق حضاراتها.

وأجيزُ لنفسي القول: إن القراءة الحرة النابعة من رغبة بالمعرفة وتعطش فكري أهم من تلك التي تقتضيها الدروس الأكاديمية، والثانية مهمة في تحصيل الشهادة العلمية، ولكن إن لم تُدعم بالأولى؛فلا يكون المتعلم صاحب فكر يُسهمُ في صناعة حضارة؛ فلم يكن في العصور الغابرة مؤسسات أكاديمية؛ ولكن على مدار حركة التاريخ وجدنا مفكرين وفلاسفة في كل مجالات المعرفة، اعتمدوا في تحصيلاتهم وبحوثهم واختراعاتهم على الإرادة الذاتية؛ ولهذا على الأبوين زراعة حب القراءة في نفوس أطفالهم منذ وقت مبكر؛ وتوجيههم لقراءة ما يناسب أعمارهم من القصص والكتابات ، والتطور بالقراءة تدريجيًا بحسب العمر، وبهذا كلما نضج الشخص تنضج معرفته وفهمه لكل الأحداث من حوله.

القراءة الحرة أنتجت للثقافة العربية، في القرن الماضي، عباس محمود العقاد، الذي لم يكمل الصف السادس الابتدائي، ولكنه بفعل القراءة أصبح من أهم رواد الثقافة العربية في الفكر، والدين، والشعر، والنقد، والصحافة، والسياسة؛ فالإيمان بأهمية القراءة يبني الأفراد والحضارات على حدٍّ سواء .

يرى الأستاذ العقاد أن القراءة حاجة كالطعام والشراب: «ولو أن الذي يسأل لماذا يقرأ، لماذا يتثقف، كانت له نفس تجوع كما يجوع جسمه لاستغنى عن سؤاله، وأقبل على موائد الثقافة غير منتظر جواب ذلك السؤال، فمن كان يسأل الناس على هذا النحو فخير له وللناس ألا يجاب؛ لأنه لا يستفيد مما يسمع ولا يستحق مئونة الجواب». إي والله إنها حاجة؛ فبدونها يمكث الإنسان في كهوف الظلام بعيدًا عن شمس المعرفة .

ولأن القراءة تخرج من ظلمات الجهل إلى أنوار العلم، نجدُ كل الأديان السماوية قد دعت إليها؛ ففي الكتاب المقدس مثلًا: «قَرَأُوا فِي السِّفْرِ، فِي شَرِيعَةِ اللهِ، بِبَيَانٍ، وَفَسَّرُوا الْمَعْنَى، وَأَفْهَمُوهُمُ الْقِرَاءَةَ» (سفر نحميا 8: 8).

وفي القرآن الكريم ورد الحثُ على القراءة في كثير من المواضع، وكلنا نعلمُ أن أول ما نزل من القرآن قوله تعالى:

«اقرأ باسم ربك الذي خلق». (العلق:1) .

الخلاصات:

1. أهمية القراءة في رفعة المجتمعات وتقدمها، وتشكيل الوعي الجمعي، وبناء الحضارة العظيمة.

2. الترجمة (بالطبع قوامها القراءة) مهمة في نقل المعارف والخبرات بين الأمم.

3. وجوب الاهتمام بالقراءة على المستويين: الرسمي والفردي.

4. العصور العربية التي شاعت فيها القراءة كانت مزدهرةً في كل مناحي الحياة.

5. القراءة الحرة الواعية تخلق العقل المفكر، القادر على الإسهام في إنتاج ثقافةٍ عظيمةٍ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ثقافة, خارطة, عرب

المصادر

تحميل المزيد