أمام شقتي يوجد متجر صغير للمواد الغذائية، ومالك المتجر صديقي العم عبد الرحمن مواطن صالح، كبير في السن، يزاول التجارة منذ عقود، يقع المتجر في إحدى أحياء مدينة اسطنبول البسيطة، واسم هذا الحي «قاسم باشا».

في المساء أتردد على المتجر، وكلما جئتُ أجد العم عبد الرحمن جالس على الكرسي مُقابل التلفاز يشاهد بصمت الأخبار المحلية، وهو متابع للأحداث السياسية، ولا يُفوّت مشاهدة نشرات الأخبار المسائية؛ وقراءة الجرائد الصباحية.

قبل أيام دخلتُ فوجدته حزينًا وسحابة الدخان تنبعث من سيجارته المُشتعلة بين اصبعيه، كأنه يغرق فيها ويحركها بين يديه وينفث الدخان عاليًا نحو السقف. ليته عَلِمَ أن تلك السيجارة صُنعت من شجرة تِبغٍ قامت بوظيفة بيئية هامة مثل امتصاص ثاني أكسيد الكربون والآن تحترق بسهولة في الهواء!

كعادته كان يتابع نشرة الأخبار على القناة الوطنية الرسمية «تي آر تي» وبثها المباشر لحرائق الغابات المندلعة منذ أواخر تموز بمدن المتوسط وبحر ايجه جنوب غرب البلاد، وفرق الإنقاذ التركية تحاول إطفاء الحرائق.

استأتُ لحال المواطنين الذين التهمت النيران منازلهم وأحرقت ممتلكاتهم، وزاد استيائي حينما فكرت بمصير بعض الحيوانات والكائنات الحية بذلك الحريق.

 فمن ينقذها؟ من النيران التي تُلهب الأشجار؟ خرجتُ من المتجر وفي ذهني مادة هذا المقال الذي أكتبه الآن؛ وبحثتُ عن الاحترار العالمي والتغيّر المناخي، واسميتُ عنوان مقالي «جِنايات الحداثة» والاحترار العالمي والتغيُّر المناخي.

حرائق تركيا ليست الأولى، فقد احترقت الأمازون، وغابات الأمازون بها ثاني أطول نهر في العالم، كما أنها تُخزّن كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون الذي تستخدمه النباتات بعملية البناء الضوئي، وهو من الغازات الدفيئة الرئيسية المسببة للاحترار العالمي.

مصطلح الاحترار العالمي يُقصد به تركيز نسب عالية من غازيْ ثاني أكسيد الكربون والميثان في الغلاف الجوي، وهذه الغازات تساهم في امتصاص الحرارة وعدم إخراجها إلى الفضاء.

يُشكل ثنائي أكسيد الكربون النسبة الأكبر ويتفوق بتركيزه في الغلاف الجوي، بينما يأتي غاز الميثان في المرتبة الثانية بنسب متفاوتة بينهما. عند تفاعل الأكسجين مع الكربون أثناء الاشتعال يتكوّن ثاني أكسيد الكربون؛ بذرتين أكسجين وذرة كربون ومنهما يتشكل جزيئه.

وغاز الميثان يشكّل نسبة قليلة في الغلاف الجوي وهو مكوّن من ذرة كربون، وأربع ذرات هيدروجين، ومنهما يتكوّن جزيء غاز الميثان.

تتنوع مصادر الميثان بين الطبيعية والبشرية؛ كما يوجد بمكبات النفاية وحقول الأرز، وتربية الماشية، وقاع المحيطات كما ينبعث الميثان من محطات الطاقة أثناء عملية استخراج الغاز الطبيعي وتخزينه تحصل تسريبات للميثان.

مصادر غاز ثاني أكسيد الكربون متنوعة بين الطبيعة والبشر؛ إذ ينتجه الإنسان أثناء عملية التنفس وذلك ما ضاعف من تركيزاته داخل الغلاف الجوي.

الغازات الدفيئة هي التي تُسبب ظاهرة الاحترار العالمي، وترفع من درجة حرارة الهواء لكوكب الأرض، بعد امتصاصها للأشعة تحت الحمراء بدلًا عن إشعاعها إلى الفضاء تقوم بِشَعّها مرة أخرى إلى سطح الأرض؛ فيساهم ذلك بتسريع ظاهرة الاحترار العالمي.

تؤكد الإحصائيات المناخية بأن العالم متجه نحو الاحترار بسبب الأنشطة البشرية. كما تُخبرنا التقارير أن الجهود المبذولة للتصدي لتغيُّر المناخ لا تمضي بطريقة صحيحة. وإذا لم تتقيد دول العالم بهدف اتفاقية باريس للمناخ والالتزام بدرجة حرارة مئوية لا تتجاوز 1.5 فإن ظاهرة الاحترار العالمي ستلحق أضرارًا جسيمة مستقبلًا بهذا الكوكب.

وقد بدأت بعض الأضرار البيئية التي تم رصدها من قبل علماء البيئة، كانصهار بعض الصفائح الجليدية بالقطب الشمالي، وتصدع أجزاء الجبال الجليدية في القطب الجنوبي؛ بالإضافة لذوبان قِطَعٍ جليدية بجزيرة جرينلاند؛ مما أدى لارتفاع ملحوظ في مستوى سطح البحر.

يبدو لنا التغيّر المناخي سيرافق كوكب الأرض على الأمد الطويل، وفي حالة عدم التصدي لظاهرة التغيّر؛ فإن النُّظم البيئية ستنهار، وبناءًا عليه يجب تطبيق أهداف اتفاقية باريس فيما يتعلق بخفض نسبة انبعاث الغازات الدفيئة حتى منتصف القرن 2050 مع بلوغ المستوى الصفري للانبعاثات والقضاء عليها بشكل كامل مع نهاية القرن 2100م، وذلك يكون بدعم مشاريع الطاقة المتجددة.

تشير التقارير المناخية إلى استمرار ارتفاع الغزات الدفيئة في ظل وباء كوفيد-19. كما أن الاغلاق العالمي لم يقلل انخفاض الانبعاثات المرتبطة بتركيزات ثاني أكسيد الكربون.

وقد ارتفعت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الأحفوري العالمية بنسبة قدرها 62% بين 1990 حتى 2019. ويتوقع خبراء المناخ بأن متوسط درجات الحرارة العالمية للفترة 2016-2020 الأكثر حرارة على الإطلاق خلافًا لدرجة الحرارة العالمية للفترة 1850-1900 وفقًا للأمم المتحدة.

وبحلول عام 2050 سيزداد عدد الأشخاص المعرضين للفيضانات من مستوى 2.1 مليار إلى 6.1 مليار.

في رأينا اتفاقية باريس طوباوية ولا يمكن تنفيذها. بحكم التنافس الاقتصادي القائم بين دول العالم والاعتماد على الطاقة الأحفورية، منذ بداية الثورة الصناعية في القرن التاسع إلى هذه اللحظة التي بلغ فيها ثاني أكسيد الكربون هذه النسبة العالمية المرتفعة خلال العقود الأخيرة.

فلم تعد اتفاقية باريس للمناخ مهمة لأن الوقت نفذ والغازات الدفيئة تركزت في الغلاف الجوي مما زاد من صعوبة تقليلها بالإضافة إلى حرائق الغابات المتتابعة في سيبيريا، وإيطاليا، وأستراليا، ومؤخرًا لبنان. كما أن الخطة وُضعت على الأمد البعيد؛ مما قد يعرقل بلوغنا للنتائج المرغوبة.

جِناية مأساوية على كوكب الأرض، وجرائم ارتكبها الإنسان في حق الطبيعة، والمتهمون دول العالم المنتجة للنفط الذين أغرقوا الأسواق بالسلع، وصنعوا طائرات ضخمة وسيارات فخمة، ووسائل نقل متعددة، أدت إلى هذا: التغيّر المناخي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد