التغير المناخي والاحتباس الحراري والاحترار الأرضي، الذي سببته الغازات الدفيئة لم تعد مصطلحات مبهمة أو غريبة عن الإنسان العادي، بفضل الزخم الإعلامي الذي يتناول الظاهرة وكذا الانتشار الواسع لشتى أنواع وسائل الاتصال المختلفة السريعة والمبسطة للمعلومة خاصة وسائط التواصل الاجتماعي التي مكنت الناس العاديين من فهم الظاهرة وأسبابها وأبعادها على المديين القصير والطويل، وكذا أخطارها على الإنسان وبيئته التي تحيط به.

ظاهرة الاحتباس الحراري انعكاس للاستهلاك المفرط واللامسؤول للوقود الأحفوري الذي يتمثل في مصادر الطاقة التقليدية فحم وبترول وغاز طبيعي، بسبب آلة الجشع والطمع البشرية، التي لم تتوقف دواليبها عن الدوران منذ بداية  الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر ميلادي، لافظة ملايين الأطنان من ثاني أكسيد الكربون وغاز الميثان إلى الجو؛ الغازان الرئيسيان المتسببان في رفع درجة حرارة الكوكب.

فكانت النتيجة ارتفاع درجة حرارة الكوكب بـ1,8 درجة مئوية فوق المعدل الطبيعي، نتيجة طبيعية لارتفاع  تركيز الكربون من 280 جزءًا بالمليون قبل الثورة الصناعية إلى حوالي 400 جزء بالمليون حاليًا، فأصبح الكوكب الأزرق المفعم بالحياة كوكبًا يحتضر وعلى شفير القيامة أعاصير وفيضانات وطوفان في شمال الكوكب وجفاف وقحط جنوبًا، ولسخرية القدر أفلام السينما التي تصور الأرض دائمًا هدفًا لغزو محتمل لكائنات فضائية خضراء اللون، دمرت كواكبها بالحروب الطاحنة أو استنفدت كل مصادر طاقتها ومواردها الحيوية، فحزموا أمتعتهم متجهين إلى الأرض لاستعمارها، هذه الأفلام تروي  قصتنا نحن مع كوكبنا كيف عثنا فيه فسادًا وعبثنا بمقدراته.

  الآن نوجه عدسات تيليسكوباتنا إلى الفضاء آملين بالعثور على كوكب يستضيفنا، لأن كوكبنا لم يعد قادرًا على احتمال مزيد من الجشع والأنانية، وفشلنا في تحمل مسؤولية التغير المناخي العالمي المطرد والمستمر الذي لم تفلح كل القمم المتعاقبة في الحد منه، تقريبًا كل قرارات هذه القمم بقيت مجرد حبر على ورق، من قمة الأرض بريو دي جانيرو سنة 1992م إلى قمة كيوتو باليابان 1997م والتي أفضت إلى بروتوكولات كيوتو التي نصت على ضرورة خفض انبعاثات الغازات الدفيئة إلى حوالي 5% بحلول العام 2012م وجوبهت بتنصل الولايات المتحدة الأمريكية من الالتزام بقرارات القمة، ثم جاءت قمة كوبنهاجن سنة 2009م التي فشلت هي الأخرى في كبح جماح آلة الصناعة الصينية بحجة أن من حقها تحقيق تنمية اقتصادية باعتبارها ليست مسؤولة تاريخيًا عن الاحتباس الحراري.

وهكذا نفهم أن المال يتحكم في السياسة التي توفر له غطاء قانونيًا يحمي آلته ويوسعها مهما كانت النتائج، وتنفس العالم الصعداء باتفاق قمة باريس 2015م وتعهد كل الدول بالعمل على الحد من ارتفاع درجة حرارة الكوكب حتى إن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق قال إن الأجيال القادمة ستقول إننا أنقذنا كوكب الأرض في اللحظة الأخيرة، غير أن هذه الآمال المعقودة مهددة بالتبخر بوصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في الولايات المتحدة الأمريكية، سياسة الرجل غريب الأطوار تعتبر  أن مسألة الاحتباس الحراري مجرد خدعة ومؤامرة للنيل من اقتصاد بلاده على حد تعبيره، وكمبادرة أولية منه قام بإلغاء صفحة  التغير المناخي من موقع البيت الأبيض على الإنترنت وكأنه يقول لا تتوقعوا مني أن أصدق هذه النكتة.

 من يدفع ثمن التغيرات المناخية وفاتورة رفاهية الدول الصناعية هي الدول النامية الواقعة جنوبًا خاصة إفريقيا، التي تعاني منذ عقود من المجاعات المتعاقبة التي سببها الجفاف في منطقة القرن الإفريقي – الصومال وجنوب السودان – ودول الساحل الإفريقي جنوب الصحراء الكبرى، أين يعاني حوالي 20  مليون شخص من احتمال تعرضهم لمجاعة بسبب الجفاف الذي يضرب المنطقة.

تبدو إرهاصات الاحتباس الحراري خطيرة ويتوقع  الخبراء أن تكون سببًا في نشوب صراعات مسلحة، واندلاع  حروب من أجل مصادر المياه والأراضي الصالحة للزراعة، التي تتناقص مساحتها بفعل التصحر والتعرية بسبب تراجع الغطاء النباتي، وسيؤدي أيضًا إلى خلق نمط جديد من اللاجئين يعرفون بلاجئي المناخ وهو عبارة عن موجات نزوح جماعية ولجوء لملايين البشر الذين سيضطرون لترك بلدانهم وأوطانهم هربًا من الجفاف إلى دول مجاورة الأمر الذي سيفاقم من الأزمة.

في الوطن العربي دق الخبراء ناقوس الخطر  مبكرًا، معلنين عن حزمة من الآثار الخطيرة التي سيسببها التغير المناخي، فكل الدول العربية مهددة دون استثناء من بينها الجزائر وبحكم موقعها الجغرافي جنوب البحر المتوسط، فهي تقع في نطاق الدول الأكثر تضررًا من التغير المناخي حسب تصنيف للجنة المناخ الأممية UNFCCC، تحتل الجزائر المرتبة 60 عالميًا من حيث التعرض لانعكاسات الاحتباس الحراري.

رغم أن الجزائر تساهم بأقل من 1% من انبعاثات الغازات الدفيئة عالميًا، إلا أنها تسعى لتأكيد دعمها للجهود العالمية التي تبذل من أجل تقليص انعكاسات التغير المناخي المدمرة، برسم سياسات إقليمية ودولية ومحلية لمواجهة التغير المناخي، وذلك بتبني نتائج قمم المناخ العالمية  المتعاقبة والمصادقة عليها. والانخراط في الفعاليات والمؤتمرات الدولية والإقليمية الخاصة بتغير المناخ وطرح رؤية الجزائر وخططها لمواجهة انعكاسات الاحتباس الحراري مع التأكيد على حق الجزائر في التنمية.

ولتفعيل دور الجزائر إقليميًا في محاربة التغير المناخي، تسعى الجزائر للانتقال من الطاقة الأحفورية إلى الطاقة المتجددة بفضل الإمكانات الطبيعية الضخمة للجزائر التي تؤهلها للعب دور محوري في مجال الطاقات المتجددة، إذ تحتل الجزائر موقعًا جغرافيًا متميزًا وأكثر من 80% من مساحتها صحراء مما يجعلها تستقبل أكثر من 3000 ساعة شمسية سنويًا، وهو رقم يجعل من الصحراء الجزائرية منجمًا لا ينضب من الطاقة الشمسية الصديقة للبيئة، وهذا ما جعل الجزائر تستقطب أنظار المستثمرين في مجال الطاقة الشمسية وأحد هذه المشاريع الطموحة كان مشروع ديزيرتيك الألماني الذي أطلق سنة 2009م بمشاركة نادي روما والهيئة المتوسطية للتعاون، وهدف المشروع هو بناء مزارع شمسية على مساحة 17 ألف كيلومتر مربع على الصحراء الجزائرية لتوفير 20 جيغاواط من الطاقة وهو ما يغطي حوالي 20% من احتياجات أوروبا سنة 2020م ورجح أن تصل إلى 50% سنة 2050م. إلا أن هذا المشروع لم ير النور وبقي حبرًا على ورق، لأنه اصطدم بجملة من المعوقات التي حالت دون تحقيقه، حيث لم يتوصل الجانبان لاتفاق مرضٍ للطرفين ورأت الجزائر أن المشروع مجحف في حقها ولا يحفظ حقوقها ومصالحها باعتبارها منتجًا، كما رفض الجانب الأوروبي نقل تكنولوجيا صناعة الألواح الشمسية الأمر الذي اعتبرته الجزائر احتكارًا ويضر باقتصادها، إضافة إلى أن تكلفة المشروع باهظة والتي فاقت 400 مليار دولار.

رغم هذه الخيبة لم تتراجع الجزائر وواصلت برنامجها الطامح لإنتاج 22 ألف ميغاواط وتغطية الاحتياجات الوطنية للطاقة بنسبة 40% من الطاقة الشمسية مطلع 2030م.

معتمدة على خبرتها في هذا المجال أقامت الجزائر محطة هجينة بين الغاز الطبيعي والشمس في منطقة حاسي الرمل بقدرة إنتاج 15 ميغاواط، وكما تعمل على جذب مستثمرين في مجال الطاقة الشمسية وصناعة المعدات والأجهزة اللازمة لذلك بطرح مناقصات واستثمارات كان آخرها الشهر الماضي، بتقديم مشروع الطاقة الشمسية الكبير للجزائر بواشنطن الذي سيطلق قريبًا خلال منتدى دولي كرّس لتطوير الاستثمار في قطاع الطاقة بإفريقيا.

 تمثل الطاقة الشمسية التي تنعم بها الجزائر فرصة حقيقية للانتقال من اقتصاد الريع البترولي والاعتماد على المحروقات  إلى الاقتصاد الأخضر المحافظ على البيئة، رغم إمكانيات الجزائر الطبيعية يبقى الانتقال بطيئًا نوعًا ما ويواجه صعوبات لتجسيده، لهذا الحكومة مطالبة بوضع آليات محكمة لتذليل مشاكل الاستثمار.

ليست مشكلة الطاقة هي ما تواجهه الجزائر، منذ تسعينيات القرن الماضي تعرف الجزائر جفافًا حادًا، حيث تراجعت معدلات التساقط إلى حوالي النصف تقريبًا من 400 ملم سنويًا إلى حوالي 250 ملم سنويًا فقط. وارتفاع درجة الحرارة بحوالي ستة أعشار الدرجة مع توقعات بارتفاعها أكثر في السنوات القادمة من 4 إلى 6 درجات مئوية بنهاية القرن الحالي.

تذبذب التساقط وفترات الجفاف الطويلة أدت إلى تراجع حصة الفرد من المياه الصالحة للشرب من 1500م3 إلى أقل من 1000م3 فقط مقابل 7000 م3 كمعدل عالمي للفرد الواحد رقم مرشح لمزيد من الهبوط ويتوقع أن يصل إلى أقل من 500 م3 فقط سنة 2020م.

وسط هذه الأخطار والتهديدات أولت الجزائر عناية خاصة لقطاع المياه، هذا القطاع الحساس الذي تقوم عليه كل الخطط التنموية، استحدثت وزارة خاصة بالموارد المائية تعمل على استغلال 17 مليار متر  من المياه المتجددة في الجزائر، وهي إمكانات معتبرة إن وضعت لها استراتيجيات استغلال عقلانية وفعالة للمحافظة عليها ورفع حجمها بجملة من المشاريع وذلك باستغلال مياه الأمطار وتجميعها في السدود بتوفير 97 سدًا و1365 حاجزًا مائيًا، بناء محطات تحلية مياه البحر بطاقة 2.3 مليون م3 لتزويد المدن الساحلية الكبرى بالمياه الصالحة للشرب على غرار الجزائر العاصمة وهران وعنابة، تقنية تكرير المياه المستعملة ببناء محطات تصفية ووصل عددها إلى 70 محطة على مستوى الوطن، ورغم التغير المناخي وارتفاع عدد السكان إلى أكثر من 46 مليون نسمة آفاق سنة 2030م تعمل الجزائر على رفع التحدي بوصول احتياطياتها المائية إلى 30 مليار متر مكعب بتطبيق هذه السياسات والبرامج لتخطي مرحلة الخطر وتزويد السكان بالماء وذلك بتوسيع شبكة المياه الوطنية وضمان حصول كل مواطن على حصته من هذه المادة الحيوية.

ورغم كل هذه الجهود الطموحة التي تبذلها الدولة من أجل مواجهة انعكاسات التغير المناخي، إلا أنها تفتقر للجدية في التنفيذ والاهتمام اللازم لإنجاحها، هذا الاهتمام يبدأ بتوعية وتحسيس المواطن البسيط بمدى خطورة التغير المناخي وضرورة تطبيق سياسات خاصة للتقليل من أضراره على الإنسان والبيئة، المواطن البسيط الذي يمثل العنصر الأكثر تضررًا من ظاهرة التغير المناخي مهمش ومغيب عن حقيقة ما يحدث وآثار التغير المناخي الفعلية التي تزداد حدة بمرور الوقت كالجفاف الذي يزداد اتساعًا.

في استطلاع للرأي أجراه المنتدى العربي للبيئة والتنمية حول مدى وعي الشعوب بأخطار التغير المناخي أجري في 19 بلدًا عربيًا وجدوا أن 51% من المستطلعين يعتقدون أن حكومات بلدانهم لا تقوم بما يلزم لمواجهة الاحتباس الحراري هذه النسبة مردها إلى غياب لغة حوار بين الحكومة والمواطن، وتترجم الفجوة بين البرامج الحكومية وواقع المواطن الذي يثبته غياب دراسات وإحصاءات حكومية لأثر  التغير المناخي على المواطن البسيط لوضع برامج توعية وتحسيس حقيقية وأكثر عمقًا، لزيادة وعي وثقافة الشعب حول التغير المناخي وانعكاساته وأضراره الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والتحديات الأمنية والاستقرار مستقبلًا. ولهذا يجب اعتبار المواطن البسيط شريكًا أساسيًا وعاملًا مهمًا لنجاح استراتيجيات محاربة التغير المناخي، فإلى الآن المواطن العربي لا يعرف من الاحتباس الحراري غير الجفاف والفيضانات رغم أن التغير المناخي كان عاملًا مهمًا في ثورات الربيع العربي.

يضرب الجفاف الجزائر منذ بداية العقد الأخير في القرن الماضي مما أدى إلى تراجع الإنتاج الفلاحي المعتمد أساسًا على تساقط الأمطار المتذبذب من سنة لأخرى، وحتى المساحات المسقية مهددة بالانحسار من جراء جفاف الآبار ومصادر الري من مجارٍ وعيون وبرك والتي يعتمد عليها الفلاحون في ري محاصيلهم ومنع الدولة الحفر والتنقيب غير المرخص قانونيًا كخطة لحماية المياه الجوفية وترشيد استهلاكها، وفي نفس الوقت لم توفر البديل لهؤلاء الفلاحين الذين فقدوا مصادر رزقهم، مما يضطرهم لتغيير نشاطاتهم الاقتصادية والتحول نحو المدن بحثًا عن العمل وهذا سيؤدي إلى خلق مشاكل اقتصادية واجتماعية جديدة.

تعاني الزراعة في الجزائر من أخطار الاحتباس الحراري بشكل مباشر، بسبب الجفاف والتصحر وانجراف التربة مما يؤثر سلبًا على الاقتصاد الوطني، ويرفع من تكاليف استيراد الغذاء رغم أنه قطاع حيوي تعول عليه الدولة في مرحلة ما بعد البترول.

وسط هذا التشاؤم يلوح في الأفق بريق أمل بدراسة أجراها المعهد البريطاني للمسح الجيولوجي سنة 2012م للمنطقة الممتدة بين حوض النيل شرقًا إلى غاية حدود الجزائر الغربية حيث وجد أنها تنام على أكبر خزان للمياه الجوفية في العالم بـ45 ألف مليار متر مكعب أي ما يعادل 100 مرة موارد إفريقيا المائية على السطح، تكفي لتزويد حاجيات هذه الدول من الماء لعدة قرون قادمة، دائمًا ما تدهشنا إفريقيا إلى حد ما، فهي تشبه قبعة الساحر التي كلما أدخل يده فيها أخرج شيئًا جديدًا، فمن كان يتوقع أنه تحت كثبان الرمال الذهبية يوجد نهر مياه عذبة، وتبقى مسألة استغلال هذه المياه إشكالية بسبب المعوقات التقنية وارتفاع تكاليف الاستخراج لأن هذا الحوض يرقد بعيدًا تحت الأرض بحوالي 150 مترًا إلى 200 متر الأمر الذي يصعب مهمة الحصول عليها على الأقل في المدى المنظور.

رغم الجدل الدائر حول تسبب الإنسان من عدمه في ظاهرة الاحتباس الحراري والتغير المناخي فآثاره واضحة للعيان، وشهدت الأرض فترات تغير مناخي منذ آلاف السنين عرفت بالعصور الجليدية، فتغير وجه الأرض الجيولوجي والجغرافي والإيكولوجي بانقراض أنواع حيوانات وتكيف أنواع أخرى وهجرة أنواع، وتصحر مناطق وتحول أخرى إلى بحيرات.

لكن هذه المرة هناك بشرًا وحدودًا سياسية وجدرانًا إسمنتية وأخرى حديدية تفصل بين الدول، وسيادات لا يجوز انتهاكها، وممتلكات غير مسموح بالتعدي عليها، حتى وإن أراد البشر الهجرة فذلك غير متوفر بل نحن مطالبون بالتكيف والتأقلم مع التغير المناخي والعمل على إيجاد بدائل وابتكار  حلول، «ففوك نفخ ويداك أوكتا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

صحف و مواقع إخبارية جزائرية و دولية
الشروق أون لاين
جريدة الخبر
الخبر اليوم
موقع الإذاعة الوطنية
موقع المنتدى العربي للبيئة و التنمية
موقع المعهد البريطاني للمسح الجيولوجي
تقرير لجنة المناخ الأممية الخاص بالجزائر
عرض التعليقات
تحميل المزيد