إن مفهوم العولمة هو مفهوم جد معقد، يختلف الدارسون والباحثون حول تعريفه، خاصة عندما يتعلق الأمر بإطاره التاريخي. لكن سنحاول في هذا الجزء من المقال أن نعرفه بوصفه مفهومًا عامًا.

يمكننا القول – بلا جزم – إن العولمة نظام ثقافي واقتصادي وسياسي وعلمي غير معلن، يتجاوز الحدود العرقية واللغوية والثقافية والاقتصادية والسياسية والجغرافية للدول والشعوب، مُحاولا إلغاءها بشكل كامل عند الاكتمال (أي اكتمال نمو هذا النظام).

لا يمكن أن ننظر إلى العولمة باعتبارها ظاهرة منعزلة عن التطور الذي شهده العالم، فهذه الظاهرة هي مرحلة تاريخية أفرزها النظام الرأسمالي. جاءت بعد مرحلة قبلها وهو النظام الاستعماري. فالدول الرأسمالية لما أصبحت بلدانا صناعية بفضل الثورة الصناعية التي شهدها العالم الغربي خلال القرن التاسع عشر، صارت تُنتج سلعًا تتجاوز الاستهلاك الداخلي لأفرادها، مما جعلها أمام فائض في الإنتاج، وضعها أمام إشكالية عويصة، جعلها تتساءل عن الطريقة التي يمكن من خلالها تصريف هذا الفائض.

وكان من المستحيل تصريفه داخل القارة الأوروبية، نتيجة السياسة الحمائية التي كانت تنهجها كل دولة على حدة، بسبب التنافس الاقتصادي الذي كان سائدًا فيما بينها، أضف إلى هذا توازن القوى الذي كان واضحا ومؤكدا بينها، فلم تستطع أية دولة من هاته الدول أن تستعمل القوة العسكرية أو القوة الدبلوماسية لتصريف سلعها داخل أوروبا أو تبادلها فيما بينها.

هذا الواقع، وضع الدول الأوربية أمام حل وحيد، وهو تصريف هذا الفائض خارج القارة الأوروبية، فلما تأكدت انطلاقًا من الرحلات الاستكشافية التي كانت تمولها، أن الدول خارج قارتها ضعيفة عسكريًا واقتصاديًا وغنية طبيعيًا (وهذا عامل ثان لظهور النظام الاستعماري) رأت في هذا الحل حلا ممكنًا ممارسة وتطبيقًا.

إن كان تصريف فائض الإنتاج هو الدافع الواضح لخلق النظام الاستعماري، فإن هناك دافعًا آخر جاء بعد تطور الصناعة وتمددها، وحاجتها إلى المواد الأولية، فكلما تطورت الصناعة، زاد طلبها إلى مزيد من المواد الأولية التي تدخل في هذه الصناعة. وبهذا أُضيف مشكل المواد الأولية التي كان بعضها غير متوافر داخل القارة الأوربية، في حين كانت البلدان خارجها غنية بها (خاصة أفريقيا) وهذا كان أهم الأهداف التي حقق منها الغرب استمرارهم الحضاري كنطاق متقدم.

خُلق النظام الاستعماري بسهولة، نظرا لاختلال التوازن بين القوى العالمية آنذاك، فالدول في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية كانت ضعيفة بسبب تخلفها، في حين كانت الدول الأوربية قوية بالنسبة لتلك المرحلة، بسبب الثورات العلمية والصناعية التي شهدتها.

رغم قيام هذا النظام، إلا أنه لم يخدم الدول الأوربية دائمًا، فقد جعلها تحتك فيما بينها، بفعل التنافس الشديد حول المناطق المستعمرة إما بسبب موقعها الإستراتيجي (كقناة السويس ومضيق جبل طارق والبوسفور والدردنيل) أو بسبب غناها بالمواد الأولية التي تختلف من منطقة إلى أخرى (فإن وجدت دولة استعمارية مادة أولية في المنطقة التي تستعمرها فإنها لا تجد مادة أخرى إلا في منطقة أخرى تحت استعمار الدولة المنافسة)، وهذا ما جعل الاحتكاك بينها يزداد شدة. وكلما تطور اقتصادها وزاد انتعاشا، أدى إلى مزيد من الاحتكاك وزيادة عنفوانه. وهذا ما أدى في الأخير، إلى نشوب الحرب العالمية الأولى، ثم بعدها الحرب العالمية الثانية. (وهذه الحرب الأخيرة يمكن اعتبارها الشرارة التي جعلت الغرب يُعيد النظر في النظام الاستعماري، ويُفكر في نظام يستطيع من خلاله أن يحقق أهداف النظام الاستعماري ولكن لا يؤدي إلى تأثيرات خارجية قد تمس أمن الحضارة الغربية).

ومن هنا ستبدأ ملامح اضمحلال النظام الاستعماري، ليُعوضه نظام آخر يُشبهه في الأهداف ولكن يختلف عنه في الوسائل. خاصة وأنه بعد هذه الحرب الأخيرة بدأت تظهر دولة قوية خارج القارة الأوروبية لكنها تابعة لها حضاريًا، وأقصد هنا الولايات المتحدة الأمريكية. والتي تُعتبر المستفيدة الأكبر من نتائج الحرب العالمية الثانية، وهكذا عوضت عصبة الأمم بمنظمة الأمم المتحدة، مُعلنة عن نظام جديد سيسود العالم.

بالفعل، بدأت الولايات المتحدة تقود القارة الأوروبية، مغيرة النهج القديم لهذه القارة في علاقتها مع باقي العالم. وباستغلال الأمم المتحدة، همت الولايات الأمريكية المتحدة لتطبيق رؤيتها الجديدة حول العالم، فبدأت تُساعد المستعمرات لنيل استقلالها، ليس حبًا فيها، وإنما لسببين اثنين، الأول كما أشرنا إليه قبل قليل وهو تعويض النظام الاستعماري التقليدي بنظام آخر، والثاني هو الرغبة في درء خطر النفوذ الشيوعي الفتي الذي أصبح يهدد النفوذ الليبرالي حول العالم (لا تُهمنا هاته المسألة في مقالنا هذا).

انتهى النظام الاستعماري، وتبنت الأمم المتحدة شعار «حق الأمم في تقرير مصيرها» فأصبحت الدول المستعمرة تنال استقلالها الواحدة بعد الأخرى، مُعتقدة أن نهاية الاستعمار سيُنهي معاناتها، لكن لسوء حظها فصندوق بندورا قد فُتح لتوه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد