البطاليون المثقفون ومشروعهم

يحمل إذن البطاليون المثقفون، مشروعًا يهدد وجود العالم الصناعي، وهو مشروع بنكهة اقتصادية، هدفها تحسين وضع البطاليين في العالم التابع، والذي يوجد حله في اقتسام أرباح العالم الصناعي. ولأن الاقتصاد لا يكفي لكي يكون مبررًا يتكاثف حوله الجميع في العالم التابع لنيل حقوقهم من العالم الصناعي، فإن المثقفين البطاليين سيعطون صبغة ثقافية مناقضة للثقافة الرأسمالية، والثقافة السائدة في العالم الصناعي. لهذا سيُحاولون التسلح بالثقافة الأصل، والعودة إلى ما يُميز ثقافتهم من معاملات وسلوكيات(1).

إذن سيتبنون المشروع الاقتصادي ذا الصبغة الثقافية، لهدم المشروع السائد في العالم، وستبدأ بوادر البديل التاريخي للوضع الرأسمالي المنتشر في المعمور. إذن سنجد أنفسنا في صراع حضاري، وليس مجرد صراع اقتصادي، حيث ستأخذ فيه الثقافة الواجهة، لأن خطابها وتطلعها أكثر تأثيرًا في الجماهير.

– القوة الميكانيكية في مواجهة الكم والقوة النفسية والروحية

في هذا الصراع، سيعتمد فيه العالم الصناعي على تكنولوجيته من الأسلحة والوسائل الممكنة للقضاء على الجانب الآخر الذي يمثل نقيضًا خطيرًا، أي سيعتمد على قوته. في حين سيعتمد العالم التابع على الأعداد الغفيرة لسكانه، والتي ستُحاصر العالم الصناعي من الحدود.

كما ستعتمد على المهاجرين الذين يوجدون كمواطنين داخل العالم الصناعي، والذين سيعملون كوسيلة ضغط داخلية تتماشى وقوانين هذا العالم. أي سيضغطون دون أن يثيروا مشاكل قانونية.

العالم التابع إذن سيعتمد على الكم. في حين أن العالم الصناعي سيعتمد على القوة الميكانيكية، فمن سينتصر في الأخير الكم أم القوة؟

الانتصار تاريخيًا يكون غالبًا بجانب من تكون معنوياته مرتفعة، ونفسيته قوية (أي إرادة القوة بمفهوم نيتشه)، فالقوة التي يحملها العالم الصناعي هي قوة ميكانيكية، بينما العالم التابع يحمل قوة نفسية فرضتها الظروف، حيث إن أعضاءه يدخلون الصراع بمنطق «أكون أو لا أكون»، وهذا يعني أن النتيجة لا تهم، وإنما المهم هو المحاولة لقلب الأوضاع.

إضافة إلى القوة النفسية، هناك قوة معنوية يحملها هؤلاء في جوفهم، حيث إنهم لا يأخذون الصراع بمنطق اقتصادي، وإنما يأخذونه بمنطق الثقافة، والفرق أن الأول يكون أنانيًا، بينما الآخر فيكون إيثاريًا، وهذا ما يجعل رؤيته للصراع، على أنه يوجد في الطرف الصحيح، لأنه لا يحارب من أجل مصلحة خاصة، وإنما من أجل مصلحة عامة، لا يكون جزاؤها هنا، وإنما بعد الموت، يعني أن موته وحياته متساويان.

وبهذا يكون احتمال الانتصار كبيرًا بالنسبة لمن يرمي نفسه إلى الصراع بهذا المنطق. أما من يرمي نفسه إليه، بمنطق «يجب أن أحافظ على ما أملك» فيكون احتمال انتصاره ضعيفًا.

وإذا أضفنا أن القوة في آخر المطاف، دورها هو القضاء على أكبر عدد ممكن من المعارضين، والحفاظ على أكبر عدد من المؤيدين، فإنها لا تستطيع أن تستمر في الفعالية إن كان عدد المعارضين كبيرًا.

إذن الصراع سيكون حليفًا باحتمال للعالم التابع، مما يعني أن قوانين العالم ستتغير حسب منطق مشروعه، الذي هو تغيير المفهوم العالمي للمعيار القائم على المال، وتحويله إلى المعايير الأخرى الأكثر عدالة وهي (المعرفة – العمل – الأخلاق)، يعني ستُبنى حكومة عالم تعتمد أكثر إنسانية مما مضى، يكون منطقها هو لكل ذي حق حقه.

توضيح

هذا مجرد بناء منطقي لما يُمكن أن يحدث، وما يُبنى على أسس منطقية، ليس بـ«الضرورة» واقعيًا، وإنما هو «ممكن» واقعيًا. فهذه الرؤية التي قدمتها في هذا المقال بأجزائه الثمانية، اعتمدت على شروط وفروض، كلما توفرت في الواقع يكون احتمال الحدوث واقعيًا، وحتى وإن توفرت كلها، فلا يعني أنها ستحدث، بل يقترب احتمال الحدوث كثيرًا من الفعل (بمفهوم أرسطو).

الهدف من المقال

إن الهدف من هذا المقال، هو توضيح إشكاليات عظيمة في العالم ككل، وهي:

– التناقض الاقتصادي بين العالم الصناعي والعالم التابع.

– الشعارات المتناقضة التي يحملها العالم الصناعي على أنه راعي حقوق الإنسان في العالم.

– البطالة كمشكل داخلي في العالم التابع، لا حل لها في الداخل، وإنما حلها يكمن في إعادة تدبير الاقتصاد العالمي بشكل عادل.

– الهجرة ليست مشكلًا مؤقتًا يمكن حله، بالأساليب التقليدية التي تعتمدها دول العالم التابع والعالم الصناعي. وإنما هي إشكال عالمي يرتبط بالبطالة بشكل كبير، وكلما ارتفعت هذه الأخيرة، تزداد الهجرة تعقدًا وخطورة، ويكون حلها بعيد التحقق، لهذا من أجل حل إشكالية الهجرة لابد من حل للبطالة، ولحل مشكلة البطالة لابد من فهمها كما جاء في المقال.

– المعيار العالمي لتصنيف الناس والقائم على المال، به مشكل خطير، يجب أن يختفي ويُعوض بالمعايير الأكثر عدالة وهي (المعرفة – العمل – الأخلاق).

وفي الأخير لابد أن أوضح مسألة، وهي أن العالم لن يهدأ، ما دام بداخل كل شخص وحش، تَوَلَد عن إحساس بأنه ليس في المكان المناسب لإبداعاته.

___________________________________________

(1) – أجد هنا مشكلة أساسية أرهقتني هنا ولابد أن أتعمق في البحث لحلها، وهي إن تحولت بلدان العالم التابع إلى ثقافاتهم الأصلية، فإنهم سيجدون أنفسهم منقسمين بسبب اختلافاتهم من هذه الناحية، فكيف يستطيعون تجاوز هذا الانقسام الذي تفرزه العودة إلى الثقافة الأصل؟ هناك حل وحيد، وهو الاهتمام بالمشترك في ثقافاتهم. وهكذا يمكنهم أن يضعوا ثقافة مشتركة على مستوى عالمهم. بينما يحتفظ كل بلد داخليًا بمميزاته الثقافية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد