الفساد والعولمة

تشن قوى العولمة الراسمالية المهيمنة حروبًا نفسية شديدة الوطأة والتأثير على الانسان المعاصر لزرع ذاتية أنانية فردية مدمرة في جوهر الإنسان على أنقاض الفطرة الإنسانية المستقيمة وصولًا إلى إلغاء الانتماء الاجتماعي الإنساني وما يعنيه من التزام إنساني وأخلاقي ووطني.

تريد من هذا إحالة إنسان إلى مجرد كائن متجرد من حقيقته الإنسانية ليس له ولاء إلا لذاته ومصالحه المادية. ذاتيته هي المعيار لكل الأمور و النفعية المادية فوق كل اعتبار إنساني أو أخلاقي أو وطني.

قوى العولمة الرأسمالية تعمل على صناعة الإنسان اللا منتمي، أدواتها في هذا كثيرة جدًا وغنية جدًا ومتشعبة جدًا، أخطرها:

1- انظمة التربية والتعليم التي توجهها هي كما تشاء.

2- تثقيف ديني غبي ومتخلف أو مشبوه. يحض المؤمن على ذاتية مطلقة تحت ذريعة أن كل شيء مقدر ومرسوم ومكتوب، فلا تنفعل، ولا ترهق نفسك ولا تفكر بغدك بما يدور حولك أيها المؤمن.

3- ثقافة حديثة دعائمها كتاب ومثقفون ومراكز أبحاث وأعلام ودراسات وخبراء تقوم على زرع الشك بالآخر، والتحذير منه وصولًا إلى تجذير الذاتية الفردية المطلقة، ونفي أية ضرورة لأي انتماء إنساني أو أخلاقي أو وطني.

يشترك هؤلاء جميعًا في إشاعة ثقافة الخوف والشك والحذر من كل شيء، الخوف من الإنسان الذي يجعله مقعدًا كسيحًا عن أية مبادرات تتطلب تعاونًا وتضامنًا ومشاركة لصنع المستقبل. والنتيجة إنسان فردي عاجز مسير إلى حياة استهلاكية غرائزية بهيمية فتبقى الغلبة لقوى العولمة الرأسمالية التي تقود البشرية إلى الهلاك.

مطلوب بديل حضاري إنساني.

الرأسمالية والسيطرة العالمية

تكدست المصالح الرأسمالية العالمية في أيدي اقلية ضئيلة من البشر، فراحت تبحث عن الوسائل التي تبقي الثروة العالمية تحت سيطرتها دون منافسات تذكر. أرادت أن تزيح من طريقها أية عقائد أو أفكار من شانها أن تضعف من هيمنتها أو تحض على المطالبة بالعدالة الاجتماعية لضمان حسن توزيع الثروات الإنسانية على الشعوب والأمم بما يعينها في تحقيق ذاتها وبناء مستقبلها الأفضل على قاعدة حقها في الحياة الحرة الكريمة.

لذلك، ناهضت الرأسمالية المتوحشة المفترسة كل حركات التحرير الوطنية والقومية في كل مكان، حاربت كل محاولات التنمية والبناء الذاتي في كل الأمم، تدخلت عسكريًا واقتصاديًا وثقافيًا لقتل أية روح وطنية تحررية مستقلة، وكانت وراء إشعال حروب دينية وطائفية ومذهبية وعرقية في كل مكان، وجدت ضالتها المنشودة في إذكاء روح التعصب والتطرف والإرهاب، وأضفت عليها مسوغات دينية بعد أن صنعت وأطلقت حركات سياسية لا ترى حقائق الحياة إلا على أساس الانتماءات الدينية والمذهبية والعرقية. أشعلت نيران الأصوليات العمياء، وراحت تسخرها لخدمة مصالحها وتأبيدًا لهيمنتها الرأسمالية على مقدرات البشر.

إن الحروب الدينية والمذهبية والعرقية هي الضمان الأبرز لبقاء سيطرة الرأسمالية العالمية على توجهات البشر وطاقات عملهم وحياتهم، إنها تخفي تحت نيرانها الهوجاء ضرورات الحياة الإنسانية السليمة العادلة، لا بل تمزق المجتمعات الإنسانية، وتستنزف كل إمكانياتها في حروب لا تنتهي، وليس فيها منتصر.

إن هذه الصراعات من شانها أن تجعل جميع الشعوب والأمم تحت ضغط الحاجة إلى الرأسمالية لتمدها بالسلاح والدعم اللازم على أمل انتصار موهوم لن يتحقق، ولن يتحقق.

البشرية بحاجة إلى التحرر من هيمنة الرأسمالية العالمية وكل أدواتها، حتى تستطيع أن تعيش بسلام ونماء وتقدم حقيقي، إنساني، أخلاقي، حضاري.

الرأسمالية والديمقراطية

تهافتت دعوات الديمقراطية فأضحت مجرد شعار فارغ من أي مضمون حقيقي.. أشاعت الراسمالية الغربية مفهومًا موحدًا نمطيًا للديمقراطية يقوم على الانتخابات والاقتراع كوسيلة لتداول السلطة.. ونظرًا لأن العملية السياسية بشكلها الانتخابي تحتاج إمكانيات مالية ضخمة.. ونظرًا لما تملكه المؤسسات الراسمالية من إمكانات مالية هائلة وأعلام ومراكز أبحاث وتوجيه وتسويق.

فقد سيطرت الرأسمالية على كل تفاصيل العمليات الانتخابية، وأصبحت هي التي تحدد شخصيات السياسة والحكم والقرار.. وعلى هذا الأساس وصلت إلى رئاسة أمريكا مثلا شخصيات ركيكة لا وزن لها، ولا تاريخ، ولا فكر، ولا نهج.. من أمثال ريجان وبوش الابن وغيرهم.. ولهذا أيضًا استطاعت السياسة الأمريكية أن تخدع العالم بادعاءاتها الديمقراطية لتدمر دولًا ومجتمعات بكاملها خدمة لمصالح المؤسسات الرأسمالية التي تتحكم فيها وتسيرها.

ما حصل في العراق وأكاذيب أسلحة الدمار الشامل خير مثال حي.

إن قوة الكذب والتضليل التي تمتلكها الرأسمالية العالمية والغربية تحديدًا، قد افرغت الديمقراطية من مضمونها الانساني السليم كنهج للتقدم والمشاركة الشعبية الحقيقية، لتتخذ منها ستارًا لقهر كل من لا يخدم مصالحها المادية.

حرية الكلمة وليس حرية الكذب هي المقدمة الأولى للديمقراطية.

براعة الرأسمالية العالمية

لم تستطع الرأسمالية العالمية السيطرة على مقدرات البشر وعلى عقول الناس بسهولة ويسر.. فقد خططت وعملت في كل الميادين وبإصرار عجيب للوصول إلى مبتغاها.. برعت في استخدام وسائل الإعلام المختلفة للسيطرة على الإنسان.

في سنة 1974 كان يعمل في وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) 30 ألف موظف مدني خبراء في كل العلوم الإنسانية والاجتماعية.. أساتذة جامعات. خبراء علاقات عامة.. علماء نفس واجتماع، إعلاميون ومؤرخون ومستشرقون.. تمثلت مهماتهم في دراسة الإنسان والمجتمعات وتقديم الخطط العملية لكيفية السيطرة على العقول والبشر.

كانت جيوش الموظفين التابعين لها تتنقل في كل ركن من أركان المجتمعات العربية تقدم مساعدات ظاهرها إنساني وحقيقتها خبيثة، ترسل تقاريرها إلى المركز الأم للتصرف بما يخدم سيطرتها على بلادنا.

يصف كتاب (المتلاعبون بالعقول) الصادر قبل ربع قرن في أمريكا، كيف تسخر المؤسسات الرأسمالية كل الوسائل الإعلامية ومراكز الدراسات والأبحاث واستطلاع الرأي لتوجيه عقول البشر لخدمة مصالحها وتوجهاتها السياسية في كل مكان حتى داخل أمريكا ذاتها.

حظي الوطن العربي بتركيز خاص في هذا المجال منذ خمسينات القرن العشرين لتجريد الإنسان العربي من مقوماته الحضارية التي تشكل مناعته وهويته وانتماءه.. كانت العروبة ولا تزال هدفهم المركزي للقضاء عليه وصولًا إلى تفتيت وتقسيم الأمة العربية لتبقى تحت سيطرتهم إلى أبعد مدى.

إن طريق خلاصنا يبدأ باستعادة حيوية عروبتنا فوق كل العصبيات الانقسامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد