قد تكون مشكلتك يا صاحبي فقط لأنك صاحب مبادئ وصاحب أخلاق وعز، ولا ترضى الخنوع والخضوع والمذلة والدنية، لا ترضى أن تكون مما هشمت كرامتهم الأموال الفاسدة، ولا ترضى لجسمك المتهالك النحيف أن ينمو بقطعة من سحت، لا ترضى أن يركبك أحد من الخلائق، وترى أن هذه الجبهة لا يجب أن تنحني إلا لمن برأها سبحانه وتعالى؛ أتعلم يا صاح! تلك مشكلة كبيرة لهم عندما تكون طاهرًا نقيًا صافيًا، وتأبى كينونة نفسك أن تعلق بها شوائب الآثام ومداهنة الظّلمة، سيشار إليك بالبنان إن لم يكن بالمسدس في زمن (حدود الدَّم)، أو يقـــــــــال بعد إصدار الأوامر لمريديهم: (أَخْرِجُوهُمْ مِن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَّاسٌ يَتَطَهَرُّون).

كم هو غريب جدًا أن تحارب وتطرد ويسبك السياسي والإعلامي والعملاء والخونة، وهم في قرارات نفسهم يعلمون أنك طاهر، إنه شعاع الحق لا يخبتُ أبدًا حتى وإن كانت غشاوة الباطل تحوم المكان، إلا أنك يا صاح تمثل ذلك البصيص الذي يوشك أن يومض المكان نورًا وأمانًا يدُّك مضاجعهم، وتأبى أعينهم رقـادًا، وقلوبهم تزداد وتتغدى يومًا بعد يوم، بحقدك وصفعك من أي الجهات كانت.

مطالب منك اليوم أن لا ترتقي في نواميس سالبي حقوق الشعوب الغلبانة، وأن تقبع في المستنقعات والمستنكرات الاجتماعية والثقافية والسياسية والتربوية، وأن تكون مزمارًا حسنا يدافع عن ما قالته وقررته الزعامة الآفلة؛ فإن لم تكن فلتصمت، لا تعكر ولا تخربش، وسينبثق في نفسك العبث والخبث لحظة سكوتك، كم هو صعبٌ أن تكون طاهرًا تتقرب إلى المولى بما ارتضاه هو وشريعته السمحاء، لا ما حرفته تأويلات علماء حاشية البلاط.

إن الله يعبد بالطهر الجسدي الذي نعرفه، ولكن الأهم هو الطهر النفسي الفعال، محال أن تتطهر جسديًا في مكان يعمُّ خبثًا وقذارة، فقل لي بالله كيف تتطهر نفسك، وقد ألقوا حبالهم وشراكهم وعفنهم من أجل سحبك للقـــــــاع، وإلقائك في جبِّ النجاسة الفكرية، وهيهات لسيارة ليدلوا دلوهم، ويقوموا بنجدتك يا صاح!

يقول مولانا الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله – ”إن إقامة صروح العدل الإجتماعي في بلد مختل، كإقامة قواعد الأدب في بلد منحل” وكأني به يريد تحذير الإقصاءات التي ستطال كل من تسول له نفسه المساس بجنَاب ”مولاي” والحاشية، إن كل من يطمس الحق ويسعى جاهدا لذلك لهو أهلٌ للقرب من بطانة السوء، فعندما أراد رمسيس الثاني (فرعون موسى) طمس الثورة والنهضة الفكرية والاجتماعية والتحرر من عبادة العباد جنَّد الجنود وبعث في المدائن يستنجدُ أهل المصالح وطُلاَّب الدنيا من أجل زهق روح الحقيقة، وقال لهم إنكم لمن المقربيــن، آه ما أنجس القاع إلا المداهنون و”شحاتة” العرض الدنيوي الزائل مقابل ثمنٍ بخس، بخس الله به الوجوه في الدنيا والآخرة.

إن العروش الظالمة وكهنة المعبد ورهبانه الذي يتقربون إلى صاحب التاج زلفى بأية وسيلة كانت تحت أي قناع كائن باسم الدين أو العلمانية أو الليبرالية أو العمالة والدياثة، لا يرضون أبدًا أن يبقى شعاع الحق ساطعًا أبدًا، إنما يؤلمهم ذلك جدًا؛ لأن فطرة الله في النفس التي تعلم ذلك وتتألم وتتحسر، لكنها بعدما ذاقت وارتوت من بئر سحيق قذر نتن لا ينجو منه إلا من اصطفاه الله، أدرك ذلك يا صاح وافهم، لن تنكسر أبدًا ما دمت تتطهر، فمن تطهَّر ارتقى، ومن ارتقى رضي لنفسه البقــاء، ومن أصدق من الله قيلا ”وَالذِّينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا“.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

: سياسة, تغيير, فهم
عرض التعليقات
تحميل المزيد