مدرسة يُرعى بها الغنم

في ذاكرتي مشهد كان فيه الجميع يضحكون سرًا على أثر تعليقاتهم التي كانت تقال بصوت خفيض فيما بينهم ويتهامسون بها في آذان بعضهم البعض في تلك الفترة، كانت تلك الواقعة التي كان يعلق عليها هؤلاء الناس أن ولدًا كان قد ذهب إلى معاينة الأطباء المعنيين بمُصابي التوحد من أجل تأكيد إن كان هذا المريض قادرًا على السفر خارج البلاد أم لا، وهل يمكنه ركوب الطائرة أم لا.

قد لا يفهم البعض قيمة هذه المعاينة، هذه المعاينة تهتم بمسألة هل يمكنه فهم كيف ينجو في حالة غرق الطائرة أم لا، هل يمكنه أن يعطي معلومات عن الأشخاص المسئولين عنه أم لا في حالة أنه بات تائهًا في البلد الآخر، هل يمكنه تحمل شيء في يديه لمدة طويلة، وأن يُدرك أن هذا الشيء يحمل معلوماته الخاصة، وهل يمكنه التعامل مع الآخريين لكي يخبرهم أن تلك المعلومات ستعيده إلى أهله أم لا، يُعد هذا الاختبار مهمًا لمصير العديد من الذين يسافرون في بعض البلدان من العالم لكي يتأكدوا من سلامة مواطنيهم خارج البلاد.

كان صاحبنا ذاك ليس مختلفًا عن الذين من حوله ذلك لأن الجميع لديه توحد ما، ولكن كان صديقنا من أرياف وقُرى مصر، قد تربى في بيئة غير مجهزة لاستقبال شخص له احتياجات ومعاملة خاصة من البيئة المحيطة والمجتمع، وكان قد خلع بنطاله بنفسه وبدأ يمارس العادة السرية، وحاول أهله منعه بأي شكل من الأشكال، ولكن بات الأمر كارثيًا أكثر مما كان، ولم يستطيعوا فعل شيء سوى إحاطته بأجسادهم واقفين من حوله لمنع النظر إليه.

أما الناس في ذلك اليوم فلم يدركوا جميعًا ما يحدث في البدء، ثم انقسموا لمن يستغفر، ومن يدعو له، ومن يضحك سرًا، ويغيرون أماكنهم أو يتظاهرون بالذهاب إلى أي مكان من أجل أن يضحكوا فقط، واستمر الوضع حتى رحيله من المكان مبنيًا على ما صنعه هذا المسكين غير المُدرك للذي صنعه.

القصة التي رواها أحد المسئولين عنه أنه قد رأى مشاهد إباحية بفعل بعض زملائه في المدرسة، والذين صنعوا ذلك فقط من أجل التسلية، وظل المشهد معلقًا في ذهنه بشكل هستيري، ذلك لأن الفعل قد راقه، واستمر صديقنا يمارس هذا الأمر بعفوية شديدة دون أن يدرك أنه بين الناس، لا يعلم لماذا يجب عليه أن لا يفعل هذا من الأساس، ولا يعلم المساكين من حوله كيف يوفرون له السُبل الكافية لكي ينتهي من تلك المأساة التي استمرت إلى سنتين.

وكان يروي الذي حكى لنا أزمة هذا المسكين، أن زيارته إلى المعاينة كانت فقط من أجل أن يتأكدوا من قدرته على السفر من أجل أن يسافر معهم في رحلة عمرة وزيارة للمقام النبوي الشريف لعل ببركتهما يشفى من بعض ما لديه، وحينما قصد بعض ما لديه كان يقصد بالطبع ممارسته العادة السرية فجأة وبدون مقدمات في أي وقت كان، وفي أي مكان.

حقيقةً لا أدري كيف يمكننا معالجة ذلك الشخص مما هو فيه، لكني أعلم شيئًا بديعًا يُسمى مدرسة يُرعى فيها الغنم، وهو ما رواه لي احد أصدقائي أنهم كانوا يعيشون في الفصول وفقًا لرغبة مدير المدرسة الذي استقر هو ومجموعة من الأساتذة على أن يرعوا في باحة المدرسة أغنامًا، وكانت الأغنام تلهو في باحة المدرسة، وقد باتت الملاعب أسرتها ومآدب طعامها ومشربها، وكانت المدرسة بلا طابور صباحي ولا فسحة، أو حصص ألعاب لسنوات مديدة، وليست لعام واحد حتى.

وكان أول ظهور للمعارضة في تلك المرحلة كانت بما يخص قضية أسطح الأبنية التعليمية التي كانت منطقة خلاف، هل تُصبح للدواجن جميعًا، ام أن لكل مبنى تخصص ما، وكانت المباني التعليمية مساحات جيدة، إلى جانب أن كل الأبنية مؤهلة أن تصبح عششًا إلا الحمامات وغرفة المدير، وكانت الفرق تنقسم إلى ثلاث، الأولى هو أن بعضهم يرون أن لكل مبنى نوعًا، أي مبنى الأوز والبط، ومبنى للحمام واليمام، ومبنى للدجاج، وفرقة أخرى ترى أن عليهم جميعًا وضع جميع الدواجن في كل الأسطح مع بعضهم لكي يزداد العدد، ولأن المساحة كبيرة ويمكن أن يصلوا إلى عدد جيد منها لكي تباع في السوق، ولكن تنتقدهم الفرقة الأخيرة التي ترى أن عليهم زراعة الدجاج فقط وبيع بيضه، وتقسيم كل سطح إلى مجموعة عشش، لكل عشة ديك، وأن يعيشو جميعًا من خير بيض تلك المزرعة المباركة.

هذه المدرسة تقريبًا ما نشأت فيها أزمة ذلك الطفل، مدرسة ومنظومة كاملة تحاول إنجاح استثمار الغنم والدواجن على حسابات الأطفال والمراهقين الذين بداخلها، والتي على حد قول صاحبي الذي حكى لي عنها لأن أحد أقاربه بها، وحكى له ،ن دجاجة قد دخلت عليهم الصف ذات مرة، وأنه يتم تفتيش بعض الطلاب شكًا أن هناك بيضة قد سرقت، وأن الجميع لا يشغلون بالهم بحال تلك المدرسة قدر تلك المزرعة التي داخلها.

هل مثل هذا المكان في صعيد مصر يمكننا أن نعتمد عليه في إنشاء طفل ومراهق وشاب يُعاني من احتياجات خاصة تحت أي خانة أو نوع؟ أم يمكننا أن نترك فيه فقط عجولًا ومواشي أخرى لشهرين لكي تسمن وتُزهو لكي تُذبح في عيد الأضحى لشهرين اثنين فقط.

إن ما أصاب هذا المسكين ليس فتنة أو شيطانًا كما يعتقد أهله، هو فقط تعرض لحُمى الفشل التي ننجو منها نحن العقلاء عنه بعض الشيء بما أننا نراه ونُدرك مدى فساده، أم هو لا يرى ما نراه مما وصل به الحال، حينما رأيته بأم عيني وهو يهرول في خلع بنطاله وقبض عضوه بيديه الاثنتين لم يكن في بالي إلا تلك المدرسة، ولذلك شرعتُ في إعادة ذكراه بعد ست سنوات تقريبًا، أو خمس، وأن أهدي له عدة مقالات معنونة تحت مدرسة يُرعى فيها الغنم، كيف أصبحنا في حياة لا يمكنها أن تعطي الحياة لذوي الاحتياجات العامة حتى ترقى لذوي الاحتياجات الخاصة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد