ارتبطت الحياة بالغواية، واتخذ الفن هذه الذريعة للتطور والبقاء في ذهن البشر، فإن الفنان مغوي بالمعرفة مثير للفضول بالنسبة للمتلقي محرك بالموضوعات. على هذا يمكننا القول إن الغاوي الأول في الكون هو إبليس، ولذا قد نعد أن الشيطان كان أول فنان في الكون.

دعونا نعود بمنظور الهرمنيوطيقا إلى قصة آدم.

كانت شجرة آدم في الجنة تمثل المحرم الوحيد. حين أراد الشيطان إغواء آدم وحواء تسلل في أذن الأفعى واستعمل لسانها في إغواء حواء بالمعرفة المتمثلة في الشجرة، وبالنسبة لآدم كانت تلك المعرفة هي درس في التفريق.

فكما يحلل عبد الفتاح كليطو أن آدم كان عليه التفرقة بين الخير والشر، وأتت الحية لتزين بالفضول المعرفة المحرمة لحواء فأغوت الحية حواء؛ وأغوت حواء آدم.

كان عقاب آدم وحواء والشيطان النزول إلى الأرض، أما عقاب الحية فكان شديدًا، فكما ورد في سفر التكوين:

على بطنك تزحفين وترابًا تأكلين طوال أيام حياتك. بينك وبين المرأة أقيم عداوة بين نسلك ونسلها فهو يترقب منك الرأس وأنت تترقبين منه الأداة.

يرى كليطو أن شق لسان الأفعى هو رمز لقصة آدم وعلامة، فهو مشقوق بين الحق والباطل كما جر آدم للباطل بسبب غواية الشيطان، لقد ساعدت الحية الشيطان على الغواية بدون أن يكون لها ربح من الأمر، وبلا إغواء، وبالتالي عوقبت بشدة، لا للجرم التي فعلته، بل لأنها فعلته بلا سبب.

وأنا أرى أن الشيطان كان أول فنان في عالمنا استطاع التزيين والقولبة وسبك الحكاية التي أدت بالغواية لآدم، ومن ناحية أخرى التأثير على مشاعر البشري الأول، وقد أدى هذا الفعل الفني إلى ثورتين غيرت مسار البشرية، الأولى كانت في نزول آدم وحواء إلى الأرض، الثانية كانت في تعلم الإنسان أول دروس العالم القبيح، وهي التفرقة بين الحق والباطل.

يتحدث جبرا إبراهيم جبرا في كتاب الحرية والطوفان عن ذروة ما أو أورغانزم فني يصيب متلقي العمل الفني حينما يجد أمامه بناء فنيًّا متكاملاً مختلفًا تتمحور فيه العبقرية.

إن هذه الذروة هي ما يضعها الفنان العظيم؛ فهي تشي بالعبقرية، ويستطيع الفنان التأثير بها على المتلقي بسهولة، ولا يستطيع العلم البحت أو الكتب العلمية بشكل أخص التأثير بمثل تلك الطريقة أننا بإمكاننا أن نضع الكتب المقدسة في العالم في إطار الفن؛ فهي بشعريتها أو نثريتها أثرت في المجتمعات الموردة إليها لتصنع شريعة وإيمانًا راسخًا في عقول البشر بمعتقداتها، وبالتالي تكون صورة لتأثير الفنان العظيم المتمثل في شخص الإله في العالم، وقد كان من النقد الذي وجه للفيلم الأمريكي الأم أنه وضع الإله في صورة الشاعر.

إن الفن يشكل غواية للفنان فيستمتع ويحصل على متعة حسية كبرى بقدرته على التعبير عن أفكاره وأقاصيصه، كما أنه يحمل غواية لمتلق ويؤدي صداه إلى إحداث متغيرات في المجتمع، فكما خلقت كتابات جان جاك روسو وفولتير الذي هرب من فرنسا خوفًا من الموت بسبب كتابه رسائل فلسفية، الذي جمع وأحرق، ورغم ذلك تم تبادله سرًّا بين الشعب، كانت نواة للثورة الفرنسية، وكانت رواية كوخ العم توم لهربريت ستاو سببًا من أسباب قيام الحرب الأهلية الأمريكية وحرية العبيد، كانت رواية المسخ لكافكا إيذانًا بنشأة طورين أدبيين من أثرها، وهما الواقعية السحرية وأدب الرعب في بدايته، واللذان يتشابهان كثيرًا، غير أن الواقعية السحرية أكثر شمولاً، والأمثلة لا تعد لكتب ولأعمال فنية غيرت في مجرى العالم مثل أدب دستويفيسكي ولوحات فان جوخ وأثرها فيما بعد بالفن الحديث، وتمثال مايكل أنجلو ديفيد، والكثير الكثير من الأعمال التي أثرت في وعي الناس تأثيرًا ملحوظًا.

يقول إبراهيم عبد المجيد في كتاب غواية الإسكندرية عن روايته المدهشة المسافات:

لقد اكتسبت الحرية بكتابة هذه الرواية، أن أكتب ما أريد أنا وحدي، وللآن أنا مدين في هذه الرواية التي علمتني أن الحرية الحقة للمبدع هي حرية الإبداع والابتداع، وتزداد قيمة هذة الحرية حين يكون القمع هو السائد حوله في المجتمع.

إن الغواية الفنية المتعلقة بذات الفنان المتفردة بلا رقيب ولا مملٍ تعطي نشوة أدبية وهي إحساس الفنان بالحرية فقد فرغ أفكاره أمام المجتمع وحول المحبوس في الرأس إلى جمل وعبارات أو ضربات فرشاة أو خلطات مسنات النحت؛ لذا فقد فرغ وهو في رأيي مبعث الشعور بالحرية لأن الفن يأتي من رحم المعاناة، والفنان يفرغ معاناته في العمل فيتلقاها المتلقي فيجد تشابهًا بين المعاناة الخاصة به ومعاناة الفنان فينتشي لأن أحدهم قد أخرج ما به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد