رمضان في الغُربة مُختلف، مؤكد سيكون شكله مُختلفًا، رائحته مُختلفة، أيامه ولياليه لها نكهة مُختلفة يأتي إلينا نحن المغتربين مع مسحة حُزن وحنين ووحِدة، حُزن وفُقدان للجوّ الرمضاني في الوطن وسط الأهل والأحباب. جوّ رمضان في الغُربة سيكون على وتيرةٍ واحدة تمضي كما هي دون تغيير كالحياة العملية للمغُترب تمامًا مع مشقّة في التأقلُم معه في الغُربة، رتيب طويل هادئ لا يُسمَع له صوت.

 

ربما يكون رمضان الذي سَيحلُ بحول الله بعد أيام هو الأول للبعض يصومونه بعيدًا عن بلادهم، بعيدًا عن آبائهم وأمهاتهم، بعيدًا عن إخوانهم وأخواتهم، في مكانٍ بعيد وقارّة أبعد. قد يكون رمضان هو رمضان، شهر القُرآن والصوم والعبادة ولكنّه مُختلف لأنه بعيدًا عن الأهل والأحباب، فأنا شخصيًا باعتباري (مُغتربًا) أفتقدهُم وسأفتقد لمّة الأهل على مائدة رمضان. سأفتقد سماع قرآن المغرب يصدح في المساجد بصوت الشيخ محمد رفعت وصوته الذي يرفع الأذان. أفتقد سماع الدعاء العتيق للشيخ السيد النقشبندي في الإذاعة. أفتقد تناول بعض التمر أو شُرب بعض من العصير أو خُشاف رمضان الشهير «لأجرح صيامي» قبل الذهاب لصلاة المغرب في المسجد في جماعة ثُمَّ العودة للمنزل لأجد أُمي قُرةَّ عيني وقد أعدّت مائدة الإفطار وعليها ما لذَّ وطاب من خيرات الرحمن.

أجلس مع أبي وأمي وإخوتي في لمّة لذيذة (تفتح النِفس وتُحفِّز الشهّية). أفتقد رؤية الناس في الطُرُقات قاصدة المسجد لصلاة العشاء والتراويح والمساجد ملأى بالمُصلين شبابًا وشيبة  وأطفالًا، والنساء في مكانهنَّ المُنعزل في أحد أركان المسجد الخلفي. أتذكر أجواء رمضان وعَبقه من أول ليلة استطلاع هلال الرؤية والتصفيق والتهليل والتهاني عند ثبوت الرؤية وأنّ غدًا غُرةَ الشهر الفضيل. سأتذكر تعليق الزينات والأنوار والفوانيس في الشوارع وعلى المنازل والمساجد «وياما عملت ده بنفسي». سأتذكر «العيال وهم بيفرقعوا الصواريخ والبمب في الشوارع». أتذكر أغاني رمضان الشهيرة التي لن يمحوها الزمن مثل «رمضان جانا، ومرحب شهر الصوم» وغيرها.  سأتذكر محلات الحلوى وأفران الكُنافة والقطايف. سأتذكر السهر من بعد صلاة التراويح وحتى السحور ثُمَّ صلاة الفجر. سأتذكر الأكلات الرمضانية ودعوات الأهل والأحباب على الإفطار والتي تُسمى «العزايم». سأتذكر موائد الرحمن تملأ القُرى والمُدن وعلى الطُرُق لأيّ عابر سبيل أو سيارات تَمُر وقت الإفطار. سأتذكر كل ذلك وأعلم أنني سأفتقده ولكنِّي سأتذكره مرة أخرى.

 

هل سأجد كُل ذلك في الغُربة؟ لا أعتقد فكُل مُغترب يشعر بهذا الشعور حتى ومن قضى أكثر من رمضان في غُربته، حتى وإن كانت معه أسرته الصغيرة، حتى وإن كانت غُربته في بلدٍ مُسلم، حتى ولو كانت غُربته في بلدٍ عربيّ.

 

أستعيد كُل ذكرياتي في أيام رمضان ولياليه في وطني وبين أسرتي، أحاول أن أصِف أول يوم لي في رمضان في الغُربة أو أتخيله أنا وغيري من المُغتربين قسرًا أو طواعيةً، أصِفه لأُخفِف عن نفسي صعوبته وألمه والذي كنت في العام الماضي أنتظره بفارغ الصبر لأسعد به وأجوائه ونفحاته مع الأهل والأصدقاء. إنه صوت أذان المغرب وحدي منتظرًا سماعه حان الآن موعد أذان المغرب حسب التوقيت المحلي للغُربة. وحدي أفطر من حولي لا شيء سِوايَ. لا أحدَ يشاركني طعامي أو يقول لي «تقبّل الله صيامك» فأقولها لنفسي «تقبّل الله صيامي».

 

ولكنّي أُفكر على الجانب الآخر وأقول: مؤكد أن هُناك الآلاف مثلي حرمتهم الغُربة قاسية القلب من كل هذه المُتعة، وأيضًا أقول لنفسي رُبما تكون الغُربة على قسوتها وعذاباتها أهون وأرحم من العيش في بلد لا يحترم آدمية الإنسان ليس به أيّ حقوق بل كله واجبات، ليس لديك رفاهية مُجرد التفكير في حُرّيتك. ليس لك الحقّ أن تقول، أن تضحك أو تبتسم، أن تبدأ أو تختتم، أن تتحرك أو تسافر. تمكُث ببيتك ولا تُغادر، لا تُكلم ولا تتصل بأحد فكل حركاتك وسكناتك مرصودة ومُسجلة لدرجة أن الأسماك في بلدي امتنعت عن الكلام لأن «الحتيان لها ودان».

القيود لكل إنسان، والجنود في كل مكان. لا عمل ولا وظيفة، لا تعليم لا صحة لا وجوه أليفة. بلاد امتلأت بالسجون وأصبحت تبنيها حتى في نقاط التفتيش. لا أحد آمِن على نفسه أو بيته أو ماله أو عمله أو حياته في بلاد أنت فيها غريب، أنت فيها لست مِلك نفسك بل لزُمرةً تُريد أن تجعلك إما عبدًا خالصًا لها أو عبدًا للُقمةِ عيشك تجري للحصول عليها ليل نهار ولا لن تجدها حتى تنام مهدودًا ليس لديك وقت أو رأس لتُفكر أو تُعبِّر أو تُعارض لأنهم قطعوا الألسنة وطمسوا العقول. بلد ظُلمٌ وظُلمات.

بلد من كثرة زنازينه أصبح سجنًا كبيرًا. بلد بالكامل يرتدي الزيّ العسكري. فهل هذا مكان يصلح أن يعيش فيه أيّ إنسان؟ فمرحى بالغُربة إذًا. بل غُربة تعيش فيها حُرًا برغم الصعاب أهون وأمتع من بلد ليس ببلد ولكنه معتقل كبير، فياربِ لك الحمد على نعمة الغُربة.

أمّا المُغترب فأعتقد أنه بعد الدوام سيقضي باقي يومه في النوم وربُما يصحو بعد الإفطار ليفطر على أيّ شيء في ثلاجته، رُبما يكون قطعة جُبن أو علبة زبادي أو يذهب لأقرب متجر ليشتري «ساندويتشًا» أو «باكو بسكويت»، ورُبما يُفضل النوم بعد ذلك ولا يتسحر! ومع ذلك  تجد هُناك من ينظر للمغترب نظرة أخرى مُختلفة حاقدة. فيا صديقي الحقود: المُغترب دائمًا مظلوم فكل العيون في وطنه تحسده على غُربته وهو (مستحمل شارب المُر وراضي عشان أكل العيش). لا يحسن أن يرجع ولا يطيق أن يكمل، يعيش في قلق في بلد غريب وقلق أكبر إنه في أي لحظة يمكن أن «يكنسلوه». عادي كم مُناسبة مرت من غيره؟! كم فرح كم عيد ميلاد كم قريب أو صديق لم يحضر زفته أو دفنته كم وكم وكم؟

المُغترب كل الذي بينه وبين بلده أهله وأحبابه ومكالمة تليفون أو على الأكثر فيديو أو سكايب.

المُغترب قلبه يقف من الخوف عندما يتصل أهله به لأنه معتاد أن يتصل هو بهم، وحين يمرض أي شخص من أهله فهو آخر من يعلم.

 

يا ترى في يوم سأجد بلدي «سَيعَاني»؟ أم بلدي دائمًا سيُعاني؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد