الإنسان بناءُ الله عز وجل، نسخة العالم المصغرة، جوارح الإنسان وأعضاؤه وعناصره تشير إلى حقائق كونية أرضية، فعظامه تنبئ عن أحجار الكون وصخوره وأشعاره توحي إلى نباتات الأرض وأشجارها والدم الجاري في جسمه والسوائل المختلفة المترشحة من عيونه وأنفه تخبر عن عيون الأرض وينابيعها ومياهها المعدنية، وغير ذلك كثير.

وتحسب أنك جـِرمٌ صغير … وفيك انطوى العالم الأكبر
الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.

شهد الوجود كله للإنسان بخلافته ونيابته عن الله تعالى في الأرض، وصار بها متصرفًا في سائر من دونه من المخلوقات، وهو المعنى الذي أحدث اضطرابًا في الفكر دفع ببعض الخارجين على أصول الإسلام ومقرراته للارتفاع بالإنسان إلى حد الالوهية ومستواها، وهو اضطراب يعزى بالدرجة الأولى إلى سوء فهم لوظيفة النائب والخليفة، ولحريته المطلقة للتصرف في الوجود.

قال تعالى: (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلْنَٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ).

سمى الله تعالى ما أنزله من وحي روحًا ونورًا، روحًا لتوقف الحياة عليه ونورًا لتوقف الهداية به، فهو حياة من موت العدم ونور يستضاء به وعليه مدار الحركة والحياة معًا.

ومرجع تسمية الوحي بالروح وتعلقه بالحياة ثم جعله نورًا وهداية إلى اجتماعهما في محل واحد في الإنسان، أي أن محل الحياة هو نفسه محل الإيمان، وهو العلقة السوداء في جوف القلب، وتسمى أيضًا المهجة منبع الروح ومعدنه وبها تكون الحياة، وهي في الوقت نفسه محل نور الإيمان.

والإنسان الذي أخذ على عاتقه الأمانة الكبرى هو سيد المخلوقات الصاحب لمرتبة خلافة الأرض.

يقول النورسي: إن الموجودات قاطبة بما فيها الجمادات تتمثل الأوامر الربانية بشوق كامل وبنوع من اللذة عند أدائها لوظائفها الخاصة بها، فكل شيء ابتداءً من النحل والنمل والطير وانتهاء بالشمس والقمر، كل منه يسعى بلذة تامة في أداء مهماتها، اي أن اللذة كامنة في ثنايا وظائف الموجودات، حيث إنها تقوم بها على وجه الإتقان التام، رغم أنها لا تعقل ما تفعل ولا تدرك نتائج ما تعمل.

وعلاقة الجمادات والحيوانات مع الله واجد الوجود علاقة المستند إليه وهي صلة ليس فيها عنصر اختيار الانتساب -الاختيار بقبول التكليف وعدمه-.

وهذا عنصر التفاضل والشرف والتكريم عند الإنسان.

والانتساب الاختياري ينقل الإنسان إلى منزلة جديدة ويرتقي به إلى مقام رفيع لم يكن له بحكم كونه مخلوقًا، فيقفز به من عمومية الخلق إلى خصوصية الصلة، حيث تتجلى فيه أسماء الله وصفاته وبها تتحقق صفة العبودية وهي أخص من صفة الخلافة والنيابة عن الله، إذ إن الأولى له بحكم الانتساب والثانية له بحكم الخلق والإيجاد، وبموجب الانتساب ترد عليه الأنوار الإلهية فتخرجه من ظلمة الجهل إلى نور الإيمان ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

وعبودية الإنسان تختلف عن عبودية سائر المخلوقات في الاختيار، ولأجل هذا سميت تكليفًا ووجدت فيها المشقة ولم يكن مقصود العبادة أن يأتمر المكلف بأوامر الله ويجتنب نواهيه فحسب، بل المقصود بها الكيفية التي يفعل به المأمور وينتهي عن المحظور، فهي إذن مشروطة بأن تتم بكيفية خاصة ترتفع بها عن كونها أداء حركيًا بالجوارح إلى منزلة عالية في الأداء، بحيث يصدر الفعل المراد مصحوبًا بمعان فيها التعبير الحقيقي عن عشق المكلف للفعل ولذاته في إتيانه.

وإذا اجتمعت المحبة مع التعظيم كان ذلك نهاية الخضوع لله تعالى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد