تقاربت دول المنبع وتكتلت، وأنشأت ما يشبه بالحلف المائي ضاربة عرض الحائط بكافة الاتفاقات التي تنظم مياه نهر النيل، لتسدد لمصر ضربة عنيفة ستهز الأمن المائي المصري خلال التاريخ القريب، وتحديدا بعد انتهاء السد الأثيوبي في 2017، وبالضرورة سيصل مدى هذه الضربة إلى قطاعات عديدة ذات شأن كالزراعة والصناعة فضلا عن الاستخدام اليومي الآدمي للمياه.

في عام 1999 بدأ التكتل الجنوبي من خلال إنشاء منتدى “مبادرة حوض النيل” للسيطرة على النيل، ولكن على ما يبدو أنه كان على استحياء نظرا لوجود اتفاقات تقيد دول المنبع من اتخاذ أي إجراء يلحق الأذى بمصر أو بحصتها من المياه والتي تبلغ تقريبا 87% من جملة مياه النيل.

وبطبيعة الحال في مصر، فنحن نعرف الخطر ومكامنه دون اتخاذ خطوات استباقية رادعة تؤمّن هذا الشعب من ضرره، حتى وصلنا لعام 2010 وقد استقوى المنتدى ونمت عظامه فوقعت دول المنبع – نظريا – من خلاله اتفاقية تقضي بأخذ 90% من المياه التي تحصل عليها مصر والسودان وإعادة توزيعها على دول نهر الحوض!

حتى أتى عام 2011 وقامت ثورة يناير المجيدة فاستغلت أثيوبيا الحدث ووضعت أول لبنات أكبر سد أفريقي وعاشر سد عالمي لتوليد الكهرباء بسعة تخزينية تتعدى السبعين مليار متر مكعب على نهر النيل الأزرق الذي يمثل من 80:85% من جملة مياه النيل.

في 2013 قام البرلمان الإثيوبي بإلغاء كافة الاتفاقات التي كانت تمنح مصر النسبة الأكبر من المياه، وكذلك أقصى مصر عن الدور الريادي والقيادي على النيل وموارده، وهذا ما أرساه أيضا ورسخه اتفاق الخرطوم 23 مارس 2015 والمعروف بمبادئ سد النهضة، والذي تخلت فيه مصر عن دورها التاريخي، وكذلك رضيت بمواجهة كل الأخطار الناجمة عن إتمام السد بهذه النسبة (الملء) الكبيرة دون إبداء أسباب، اللهم ما قيل على لسان وزير الخارجية المصري “أن هذه المبادئ بداية لمزيد من التعاون في المسار السياسي والمسار الفني”.

وفي تصريحات لموقع مصراوي قال المصدر: أن الإيجابية الرئيسية التي يوفرها اتفاق المبادئ هي أنه “نجح في سد الثغرات التي كانت قائمة في المسار الفني”.

وهذه إشكالية كبيرة وغير مفهومة، أن يتحول السد من خطر يهدد الأمن القومي في السنوات القليلة الماضية إلى خطوة على طريق التنمية، فضلا عن أن تطلب مصر المشاركة في بنائه!
لكن السؤال الأهم: لماذا تتنازل مصر؟

وما المقابل لتحمّل هذا الخطر؟

ولماذا وافقنا على الإلغاء الضمني لاتفاقات النيل السابقة التي تجعل مصر في مرتبة “السيد” فننحدر بهذا الشكل غير المفهوم ونخضع لإثيوبيا؟

جاء في اتفاقية 1929:

ـــ إن الحكومة المصرية شديدة الاهتمام بتعمير السودان وتوافق على زيادة الكميات التي يستخدمها السودان من مياه النيل دون الإضرار بحقوق مصر الطبيعية والتاريخية في تلك المياه.

ـــ توافق الحكومة المصرية على ما جاء بتقرير لجنة مياه النيل عام 1925 وتعتبره جزءًا لا ينفصل من هذا الاتفاق.

ـــ ألا تقام بغير اتفاق سابق مع الحكومة المصرية أعمال ري أو توليد قوى أو أي إجراءات على النيل وفروعه أو على البحيرات التي تنبع سواء من السودان أو البلاد الواقعة تحت الإدارة البريطانية من شأنها إنقاص مقدار المياه الذي يصل لمصر أو تعديل تاريخ وصوله أو تخفيض منسوبه على أي وجه يلحق ضررًا بمصالح مصر.

ـــ تقدم جميع التسهيلات للحكومة المصرية لعمل الدراسات والبحوث المائية لنهر النيل في السودان ويمكنها إقامة أعمال هناك لزيادة مياه النيل لمصلحة مصر بالاتفاق مع السلطات المحلية.

إثيوبيا لم تحترم الاتفاقات الدولية، لكن ذلك ليس مستغربا خصوصا وأن إثيوبيا على الأرجح ليست صاحبة الفكرة وأن هناك من يحركها لتهديد الأمن المائي المصري، وليكون سد النهضة ورقة جديدة تضاف إلى أوراق الضغط على مصر لتجنب أو اتخاذ مواقف ما تجاه قضايا ما موجودة أو قد تنشأ مستقبلا، يعزز هذا الرأي عدم قدرة الحكومة الإثيوبية على تمويل السد تمويلا ذاتيا!

الحل الدبلوماسي فشل فشلا ذريعا، ونال من قدر مصر وقامتها، حتى تجرأ البرلمان الأوغندي بالنصح لمصر لقبول اتفاقية عنتيبي لأنها “الحل الأمثل”!

فلو كانت هذه الدولة بها بعض دماء الشباب لما وصل الحال إلى التفريط في الحق، والتساهل في ضياعه دون وخز الضمير أو أن تعلو وجه الدولة حمرة الخجل.

حينما أرادت إثيوبيا إنشاء سد تانا بيليس الأصغر في 2010 وشرعت “في تحويل كمية صغيرة من المياه لأغراض الري” كان موقف القاهرة حاسما حازما، فأمرت الجيش المصري بالتأهب و”الاستعداد لمواجهة أي احتمال” مما أدى إلى تراجع أثيوبيا حسب ما ذكر تقرير صادر عن مجموعة “ستراتفور” بأمريكا.

وكان موقف القاهرة مشابها في 2013 حينما بدأ الخطر الإثيوبي يتشكل وينمو ويصبح أكثر جدية.

ويبقى الحل العسكري هو “الحل الأمثل” لتجنب مصر كارثة مائية قادمة، فإن إثيوبيا لم تحترم الاتفاقات، ولم تسفر الدبلوماسية عن فائدة، أما وإن ظل الخطر قائما وتم السد إلى غايته، فهناك من المخاطر ما لا يمكن تخيله على ما ذكر عشرات الخبراء من المصريين، ووقتها لن نستطيع التغني “بمصر هبة النيل” لأن النيل فعليا سيصبح هبة إثيوبيا، وسيكون ذكرى.

الأمر يحتاج إلى قرار عسكري جريء ضد السد، ولا بديل عن ذلك قبل أن نقول مستقبلا: رحم الله النيل .. كان نهرا طيبا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد