بالرغم من قصر المدة لكنها في الحقيقة تركت أثرًا كبيرًا سواء في النفس أو الجسد، ومع أن الأثر الجسدي ما زال ظاهرًا ببعض العلامات البسيطة يلاحظها المدقق في الرأس والجبهة، إلا أن الأثر الباقي في النفس ما زال الأقوى.

كثيرًا ما أتذكر تلك “الصابونة” السوداء التي تصنعها أمي الغالية لجلي الأطباق، وكعادة جلينا أتجنب أن أغسل يدي أو ألمس تلك الصابونة التي تصنع أمام عيني

بكمية “البوتاس” الكبيرة القادرة على قتل إنسان يستنشق رائحتها، فأقول في سري غير معلن ذلك لأمي حتى لا أوبخ أو تقول لي “خلاص يا شملول روح هات لي بريل بـ20 جنيه أنا غلطانة إني بوفر عليكم”، قالتها لي مرة وبعدها كلما رأيتها تصنعه أصمت وحسب.

لم يدر بخلدي يومًا أن ذلك الصابون اللعين سيلامس جسدي ورأسي وأنا مستمع بذلك، في البداية كنت مكرهًا على استعماله خشية أن يصيبني أي مرض جلدي في ذلك المكان القابع في مجمع سجون طره يدعى سجن “العقرب” شديد الحراسة زنزانة 7 عنبر “H1”.

شيخ معروف كان في الزنزانة المقابلة لنا خدوم خفيف الظل لا كما صوره الإعلام يمتلك كمية كبيرة من السجائر تسهل له الخروج أمام مجمع الزنازين في العنبر، ذات مرة رآني وبنطالي ممزقًا لا يسترني نادني في اليوم التالي قائلاً: “خد البنطلون ده ينفعك وأنت بتصلي” وأتى لنا بحوالي 4 “صابونات” سوداء فرحنا بها نحن الأربعة كأننا فزنا بكأس العالم، وقال أحدهم معلقًا: “أخيرًا هنستحمى بصابون مواعين” الله أكبر.

ظللت في نفس الزنزانة 13 يومًا متتالية، لم أر الشمس فيها أبدًا إلا من خلال شعاع بسيط أمام العنبر كنا نتبادل الوقوف عليه، وكنت قرأت في أدب السجون سابقًا في رواية “تلك العتمة الباهرة” للكاتب الجزائري الطاهر بن جلون الفائزة بجائزة “إمباك” الأدبية يروي فيها قصة معتقل بسجن تازمامرت بالمغرب، يقول السجين:

إنه كان له قرابة 6 ليترات يومية من الماء، وكان حريصًا في زنزانته الفردية أن يوفر منهم ليستحم كل يوم، حتى لا يصاب بأي مرض“.

ظلت تلك الفقرة من الرواية عالقة بذهني من أول دخولي المعتقل فأحرص يوميًّا على الاستحمام مرتين على الأقل بالصابونة السوداء طيلة الثلاثة عشر يوم الأولى.

وفي عصر يوم يفتح العنبر والزنازين بسرعة وسط حضور مأمور السجن ينادون علينا واحدًا تلو الآخر، جمعونا فوق بعضنا، لا أحد يعرف أين سيذهبون بنا، وكعادة السجن لا أحد يجيب على استفسارك، غموض وحسب، البعض يقول سنعذب، سنخرج، شكلنا هنترحل. يجيب العسكري: اقعد على ركبك واسكت.

تنفسنا الصعداء ونحن واقفون بالشمس نعم كنت حافيًا بلا حذاء كنت مهلهل الملابس، أقرع الرأس، كانت الشمس تملأني، “كنت أتذوقها” شعرت ببعض الحرية، كانت يومها أحلى من البط الذي تقدمه لي أمي الحبيبة الذي يعرف معظم المقربين مني كم أحبه.

وما إن ذهبنا للعنبر “H2″ وظللنا فيه بقية شهرنا انهالت علينا زيارات الأهالي أخيرًا، المحشي والبط والدجاج والسمك والحلويات، وكل ما لذ وطاب، دائمًا ما كانت تحرص أمهات وزوجات المعتقلين على الإتيان بـ”الصابون” والديتول والشامبو فانتقلت من عصر الصابون الأسود إلى عصر “شامبو كلير” الذي يترك انتعاشًا قويًا بالرأس ومعجون الأسنان المنعش.

ولكن مع كل هذه المنظفات والأطعمة تورم جسدي وظهري ورأسي وجبهتي ببعض “الدمامل” التي تركت أثرًا في إلى الآن فكنت لا أستطيع نومًا إلا بعد الاستحمام والتعري من كل ملابسي إلا ما يستر عورتي، ودهان جسدي بزيت السمسم التي جلبته لي أختي في زيارتها الأخيرة، كانت حرارة الزنزانة تقارب الـ50 درجة، ولا أبالغ في ذلك.

ذلك المصباح اللعين ذو الضوء الأصفر “200 فولت” يجعل حرارة الزنزانة 100 درجة، وجسدي يتوهج ويتألم ولا مغيث إلا الله، وحكايات الرفقاء وضحكاتهم الجميلة، وقيام الليل، وقراءة القرآن.

من شهر مضى تذكرت السجن وقصته وقلت: سبحان الله، ظللت تستحم 13 يومًا بصابونة سوداء فلم تصب بشيء، ووقت أن استعلمت “الشامبو كلير” تفجر جسدك وتورم.

دائمًا ما أتذكر محمد رفيق العقرب وهو يقول يوم أن استخدمنا الصابونة السوداء لأول مرة وكنا نغتسل بلا ساتر داخل زنزانتنا: “أخيرًا هاستحمى يا جدعان بالصابونة، استديروا يرحمكم الله”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد