منذ سنوات ليست بالبعيدة، كان كاتب هذه الأسطر يجلس وسط جحافل الشعب، بينما تنتفض كل قطعة من جسده الصغير بتحفُّز ساذج مع كل كُرة يطوّحها القدر في الهواء، انتظارًا للحظة الحسم المُبين. مع كل دقيقة تمُر بلا جدوى، وكل هدف يضيع بغرابة، كان الأدرينالين يدفعني لتبنّي فكرة مفادها أن الله يُأخر النصر لأنه يريد أن نرجوه أكثر. وأن ثمة ترتيب درامي لابُد وأنه يُمهد لمفاجئة سينسحق أمامها خصوم الملعب. شددت على يدِ “صديق الدرس” الذي زوغ معي من الحصة لنشاهد المباراة معًا، شددت على يده بغضب بعد أن هالني سبّه الهستيري لأم لاعب أضاع – ولم تُضع هي – هدفًا محققًا. لا لأنني أرفض السبّ بالكُلية كموقف أخلاقي عام – فقد ألِفَت أذناي سماع مثل تلك الألفاظ منه ومن غيره كثيرًا فلم أنطق- ولكن لأن الأدرينالين – بارك الله فيه – ذكّرني مجددًا بأننا قُد نهزم بذنب أحدنا. هممتُ حينها بتقمص دور الواعظ ونصحته بأن يكُف عن فعلته. بينما أستدعِي هذا الموقف لم يدهشني تصرفي الطفولي، قدر ما أدهشني تذكري لاستغفاره الآني كاستجابة سريعة للنصيحة.

لقد مرّت علي فترة لم أكن أتابع فيها المباريات الهامة لغرض ترفيهي بقدر ما كان ينتابني شعور مُستتر بأنني أتابع قدَر الله الذي أجراه على أقدام اللاعبين ورؤوس الحربة. من سيسعدنا الآن، ومن سيتسبب في تعاستنا تلك الليلة؟

 

“ماذا بينك وبين الله أيها اللاعب لكي تحرز هدفًا رائعًا كهذا؟”

قالها صديقي الإسلامي بسعادة غامرة بعد أن شاهدنا إحدى أهداف المالي “فريدريك كانوتيه” مع فريقه الإسباني “إشبيليه” فلم تتجاهل ذاكرتي حديثنا الذي سبق الهدف عن أخلاقه كمسلم منع بمالهِ هدم أحد المساجد، ورفض وضع دعايا إحدى المشروبات الكحولية على قميص النادى الذي يلعب له في إسبانيا. أو “الأندلس” كما كان يروق لنا نعتها. بعد هدف كانوتيه بدقائق أحرز أحد زملائه هدفًا أجمل. صفقنا فحسب، ولم نبد حماسًا مماثلًا لحماستنا التي تبِعَت هدف كانوتيه.

 

منذ ما يزيد عن الثمانية أعوام كان موعد المباراة التاريخية التي لا تكاد تُمحى من عقل أي أهلاوى مصري شاهد تلك المباراة ومن لم يشاهدها؟ نهائي دورأ أبطال أفريقيا. الأرض تونسية والجماهير تونسية، المُعلّق على القناة الصوتية الأولى تونسي، وعلى القناة الصوتية الثانية تونسي كذلك. معلق مصري بائس على القناة الصوتية الثالثة يفوح من صوته خمول لا يليق بالشعب المصري المعروف بقوته وجبروته. التعادل السلبي كان كافيًا لأن يتوّج الصفاقسي بالبطولة دون عناء.

 

تمر الدقائق ثقيلة، ويزداد الأمر صعوبة فيعلو صوت من أحد جوانب المقهى:
لاعبو تونس – بتوع شمال أفريكيا- معروفون باستفزازاتهم ولعبهم العنيف (على اعتبار أننا من غرب “أفريكيا” يعني) الجميع يُؤمِّن دون تفكير.  يواصل ذات الصوت بعد أن بدا له أن فرصته سانحة – قريت انهرده في الأهرام الرياضي إن الحكم ده عنده فضيحة أخلاقية فبلده. فردَّ أحدهم: مهو باين، عامل بلقمته أوي في الملعب! لم يُحدد -عامل بلقمته- لصالح من، ولكن الجميع يعلم، لابد أنه ضدنا. شعور بالتحفز العام ضد كل ذرة هواء توجه الكرة في اتجاه مخالف لما نريد. لا بديل عن الاسترسال في الشعور بالمظلومية إزاء نتيجة مستمرة في صالح الخصم.

 

جميعنا لدينا نفس الشعور، لن تستطيع التفكير لحظتها -مدفوعًا بتلك الحشود- مهما بلغت من الحكمة، لن تستطيع التفكير في أن هذه الجموع قد تكون على باطل ما، أو أنها تفكر بطريقة هوجاء لا تستقيم. تمر الدقائق ولا يتغير أي شيء. تنتابني هواجس وتشككات في أن اللاعبين ربما لم يُصلّوا العشاء قبل المباراة. يا ويلتنا سنتحول هكذا إلى زمالك جديد! حاولت إقناع نفسي أن الأهداف التي تأتي في الدقائق الأولى هي أهداف سخيفة تقتل المباراة وتدفع الناس لئلا يواصلوا ذكر الله. ربما لم يذكروه منذ آخر تشهُّد في صلاة الجمعة الماضية، ولكنهم قالوا “يا رب” أكثر من مائة مرة، في آخر ربع ساعة من عُمْر اللقاء. ربما أيضًا لن أكون مبالغًا إن قلت أن المُلحدين الأهلاوية كانوا وقتها يخاطبون قوي الطبيعة ملتمسين منها أن تكون مع الأهلي ولو بصدفة صغيرة تسعد كل هؤلاء التعساء.

 

قاربت المباراة على نهايتها وبدا الأمر مُحبطًا. ضبطت نفسي مُتلبسًا أدعو الله بشكل خفي: “هدف واحد بس يا رب وسأقوم الليل كله وأذاكر كويس”

يُرسل شادي محمد الكرة للأمام كأي كرة تحتضر بين قدميه، فتصل بالصدفة لرأس فلافيو الذي يحولها بدقة غير معهودة لتجد الكرة نفسها بالسنتيمتر على وجه قدم أبو تريكة “أبو تريكة” بالتحديد، الذي يهمس فيها أن اذهبي إلى طريقك واحتضني الشباك. فيصبح من بعدها “القدّيس” هذا هو ما حدث بالضبط في الدقائق الأخيرة من المباراة أو فلنقل في المعركة، والتي اهتزت على أثرها الأرض! كانت الفرحة عارمة وجنونية! شكرت الله بشكل شخصي لأنه حقق لي ما أردت، وسمعني برغم كل هذا الزحام والضوضاء ربما لأنني كنت مواظبًا على الصلاة في تلك الفترة بعكس كل هؤلاء الأوغاد انصرفت، وأنا أكلم نفسي.

 

انتصرنا الآن؟ وبعد دعوتي بثواني؟ شيء لا يُصدّق! لماذا إذًا نحن مضطهدون ولا نستطيع إزاحة كل هذا التخلف من حياتنا؟ حالة من الطيران لن يستطيع أن يحصل عليها مُدمن يتعاطي جرعات غير قليلة من مُخدر الهيروين كانت تطفوا على الوجوه ليلتها.

 

“ليت رئيس الأهلي يدير مصر يا أخي!” هكذا قال أحدهم في خضم موجة من مديح مؤسسية الأهلي التي أهدتنا هذه الفرحة. رئيس الأهلي، الذي عرفت حينما أصبحت كبيرًا أنه مُدان في قضايا فساد مالي ضخمة لم يخرجه منها سوى نفوذ كوْنه “رئيس النادي الأهلي” لكن الجمهور كان يردد هذه المرة “ورصيدنا لديكم يسمح”، الفاسد الناجح، على أي حال هو أفضل حالًا من الفاسد الغبي. هذه إحدى القناعات الراسخة لدينا جميعًا في مصر مهما حاولنا التنكر لذلك.

 

أعادنى الله إلى المنزل محملًا بغنائم المباراة التي أردت. ولكني لم أصل سوى ركعتين خفاف بالكاد من الليل الذي وعدت بقيامه كاملًا، ولكن الله حتمًا سيسامحني لكي أستطيع اللحاق بسهرة التحليل الكروي التي يديرها الكابتن شوبير -عضو الحزب الوطني- الذي يلتف حول طاولته رموز التاريخ، نعم رموز التاريخ، وهل كان لدينا أي تاريخ يذكر فنعرف عنه شيء سوى في كرة قدمهم؟

برقية تهنئة لا تفارق الشاشة، من السيد الرئيس الأب محمد حسني مبارك الذي سهر على أريكته – بحسب المصادر- ليتابع الأولاد، ولم يرق لجفنيه الشريفين أن يغفلا قبل الاحتفال الموثوق! الجميع يردد: كنا محتاجين الفرحة دي أوي أوي – من زمان!

لقد كانت الأجواء بمثابة فرصة ذهبية – للمخرج اللوذعي الأستاذ “محمد نصر” لصنع كليباته -الموفي ميكريه المؤثرة- والتي تدمج بين أغاني – يا حبيبتي يا مصر، وملوك الجدعنة – على مشاهد من الشوارع بينما يلوّح الجميع بالعلم ببلاهة مع كل إعادة للهدف الرباني الذي أحرزه االقديس، يكاد القلب يرقص بالفانلة الحمالات على موسيقى الكلاكسات التي تهتف بسم “أم الدنيا” التي لم نكن نعرفها حينها أنها ستصبح لاحقًا “قد الدنيا”.

لم يكتف نصر باستعراض مشاهد فرحتنا بل ودمج ذلك مع صور لاعبي الفريق المنافس بينما تبدو على وجوهم الدموع التي لا ولن تجف فيما يبدو من الصدمة والدرس الذي لقنّاه إياهم. ثمة رغبة ماكارثية ما في الانتقام منهم حتى بعد المباراة، بدت في عدم قدرتنا على تحجيم سعادتنا بمشاهدهم المؤسفة، الشيء الذي لم يخفف من حدته عبارات فاترة ومصطنعة مثل: هارد لك للإخوة الأشقاء! ماذا بين جماهير الصفاقس وبين الله ليعاقبهم هذا العقاب العسير؟

 

بعض دول العالم تسمح بالمخدرات في السوبر ماركت بشكل مقنن ولكن في أم الدنيا، الوضع مختلف فالأم لا تدخن مهما ضرب أبنائها البرشام. أشك في أن المخدرات لديها القدرة على فعل كل هذا، ولكنني سأكون حسن النية وأعتبر المخدرات “الأصلية” ترتقي لنفس المنزلة من التغييب التي صنعها الكابتن – بندق – بدموعه التي انهمرت على مكالمة نجل الرئيس في أعقاب مباراة “مصر والجزائر” ردًا لكرامة مصر التي تم هتكها بإتقان. هكذا قال الفنان إيهاب توفيق، الذي غنّى لاحقًا “تسلم الأيادي”. انطلقت حملات الهيستريا، من كل الأبواق وبلا توقف فلنخسر الجزائر، ولكن كيف نخسر –نحن المصريون- المباراة؟!

 

كيف يخسر الرئيس وحاشيته فرصة عظيمة لأن ينشغل هذا الشعب بكأس العالم عن طرمخة انتخابات 2010 كيف يفوز علينا “البربر”؟ هكذا كانوا يقولون بنية السبّ، أمر شبيه بأن تقول “كيف يغلبني شخص اسمه عبد السلام!” عبث لا نهائي كان يتلقفه الكثيرين كالسكارى. إن الكرة لا تقرب الشعوب يا عزيزي وإن كانت تقربها بالفعل، فهي تقربها لفعل شيء ما وقح يحدث على الطريق الزراعي، وهو حتى وإن استمتع البعض على أثره يبقي مشينًا.

 

حدثني عما يمكن لطفل صغير فعله لمجابهة حياة استيقظ فوجدها خاوية من كل شيء، إلا من العبث والخواء، فعمد إليهما لعله يجد فيهما حقيقة. حدثني عن فراغ لا يجد سبيلًا للانقضاء دون 6 ساعات وأكثر تمر في حضرة التحليلات الفارغة عن كرة، ملأها النفخ. حدثني عن سبيل كان بإمكاننا أن نعرف من خلاله أننا مستهلكون، بينما لم نكن نعرف معنى الاستهلاك أصلًا!

 

لقد قتلونا يا صديقي في المدرجات، كما قتلونا في الميادين وفي العبّارات، وإنني لأموت كمدًا من طغيان السعادة بمباراةٍ مات على أثر الفرحة بمكسبها شخصان من التدافع فواصل الجميع الإحتفال. “فريق كبير فريق عظيم أديله عمرى وبرضو قليل” هل أنت متأكد من ذلك؟

 

أن تتحول أشياء صغيرة في الحياة إلى أشياء كبيرة جدًا فجأة دون أن تعرف متى حدث ذلك بالضبط، متى تمدد ما ينبغي أن ينكمش بعد مضي وقته، هذا يعنى أحد أمرين: إما أننا صغار جدًا للدرجة التي تجعل الأشياء الصغيرة كبيرة بالنسبة لحجمنا، وإما أننا لا نرى أي شيء، فنضطر لترديد كل ما نسمع عن الحياة بانتظام.

ربما كبرت، وتوقفت عن الدعاء بالأهداف توقفت عن الدفاع عن سلامة نية لاعب أحبه تدخل بشكل عنيف فأعجز لاعبًا مغمورًا، وتفرغت تمامًا للدعاء بالرحمة لآخرين ربما ماتوا أو سيموتون قبل أن يدركوا أين هم بالضبط من الحياة وأين هم من الحقيقة التي لا أزعم أنني أعرفها، كل ما أعرفه فقط هو أنني أصبحت كبيرًا بما يكفي لكي أفهم أن الحقيقة على الأقل ليست سطحية وحمقاء إلى الدرجة التي يصبح عندها الله يشجع الأهلي، ويكره الصفاقسي ليست ظالمة إلى الدرجة التي تجعله يلتفت لنا، ويتجاهل من سوانا يسعدنا، ويُتعس الأمم الأخرى.

يا صديقي إن الأهلي -أو أي فريق يلهو بكرة منتفخة- ليس فوق الجميع. الله فقط هو من فوق الجميع، وفوق كل هذه العصبيات المصطنعة يا صديقي. إن عدالة السماء لا تسقط فقط على الاستادات والملاعب، مع إحراز الأهداف وإنما كذلك تتجلّي في الهزائم والانكسارات فليت كل خروج من كأس عالم، يعقبه الدخول في ثورة كيناير.

 

هامش (مش عارف أوديه فين) 😀
ربما توقفت عن مشاهدة المباريات بنهم، ولكني لم أتوقف عن الجلوس على المقهي وفي الدقائق الأخيرة من إحدى المبارايات التي عرفت من عيون متابعيها أنها حاسمة في طريق الأهلي، رأيت طفلًا يهمس لأبيه متلعثمًا: عارف أبو تريكة بيجيب كل فاولاته إزاي؟ وحينما سأله والده عن السبب مستدرجًا إياه لإضحاك الأصدقاء قال: قبل ما بيشوط الكورة بيقول “وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى”

 

بعد عبارته بدقائق يحصل الأهلي على فاول ويبد أبو تريكة مُتمتمًا بتعاويذ ما في طريقه للتسديد، أو تبدو كذلك لمن أراد أن يراها كذلك. بدا الجميع متحفزًا وجاهزًا للقفز احتفالًا بهدف وشيك لكن هذه المرة وبدون أسباب أفهمها كان أسوء فاول لعبه أبو تريكة في حياته.

 

كدت أدخل عقل الصغير لأخبره عن إجابة السؤال الذي يطرق باله ويكاد يعصف بثقته بأبو تريكة، حول ما إذا كان هذا يعني أن الله لم يكن راضيًا عنه اليوم؟

 

لا يا صغيري، هذا لا يعني أن الله لم يكن راضيًا عنه أو عنك، هذا لا يعني أي شيء أصلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد