وصل الحال بالحزب الإسلامي العراقي إلى الدرجة التي لا نستطيع التميز بينه وبين أي كتلة سياسية موالية لإيران، وهو الذي يدّعي أنه يمثل أهل السنّة، وإن مرجعيته الفكرية إلى «الإخوان المسلمين».
بدأ الحزب الإسلامي عمله بالعراق بعد قيام العملية السياسية على يد الاحتلال سنة 2003، وكان من قبلها يمارس عمله في المنفى خارج البلاد. كانت الآمال معقودة عليه أن يكون صوتًا حقيقيًا معبرًا عن السنّة، وجامعًا لكلمتهم، ومحافظًا على حقوقهم، وكان قراره بالاشتراك بالعملية السياسية صحيح، عكس ما كان يروجه له الآخرون الذين رفضوا دخول السنّة في الحكومة؛ ليجعلوا الطريق ممهدًا لاستئثار الشيعة والأكراد بها. وهو بتصديه لهذا الدور، وتحمله لهذه المسؤولية، قد وضع نفسه أمام تحد كبير ومسؤولية عظيمة، كان من الضروري عليه إعداد العدّة لها.

بداية الانحدار في مسيرة الحزب الإسلامي

التفَّت جماهير أهل السنّة بنسبتها الغالبة حوله؛ كونه القوة السياسية الوحيدة بين الكتل السياسية السنيّة التي تمتلك تنظيمًا يمكن البناء عليه، بالإضافة لخلفيته الفكرية التي تجعله يصمد أمام التحديات التي ستواجه، وتحالفت معه باقي الكتل السياسية والعشائرية؛ ليشكل من خلالها جبهة سياسية عريضة كانت تسمى «جبهة التوافق»، وكان يمكن لهذه الجبهة السياسية العريضة، والتي ضمَّت الأطياف السياسية السنيّة الفاعلة في الساحة، أن تكون ممثلًا حقيقيًا للسنّة، محافظةً على حقوقهم. إلا أنَّ مسيرة هذه الحزب سرعان ما بدأت بالانحدار، بدأت من خلال معاملته لشركائه في الجبهة من باقي الكتل السياسية السنيّة التي حاول ألا يعطيها استحقاقاتها السياسية، ومحاولته للتفرد بقيادتها، وبعد ذلك قدَّم للساحة السياسية شخصيات سياسية بعيدة كل البعد عن التحلي بروح المسؤولية، والبعض منهم لم يكن يفقه من السياسة شيئًا، والبعض الآخر سقط في مستنقع الفساد، أما من حافظ على استقامته وتعامل بروح المسؤولية، فكانت رصاصات الغدر بالمرصاد له؛ لتضع حدًا لحياته.

أفرز إلينا الحزب الإسلامي، ومع الأسف، رجال، نأسف أن يحسبوا على أهل السنّة، من مثل «حاجم الحسني» صاحب الدور المشبوه في أحداث الفلوجة الأولى، وفي كتابة الدستور، واستمر الحال بهذا الرجل إلى أن يصبح تابعًا ذليلًا لـ«المالكي» وضمن كتلته السياسية، وأصبح شريكه بكل المذابح التي ارتكبها بحق أهل السنّة. وجريمة الموافقة على الدستور الطائفي التي اقترفها رجالات الحزب الإسلامي في الوقت الذي كان السنّة جميعهم رافضين له. ذلك الدستور الذي يئن العراقيون لحد الآن من آثاره، كان «سليم الجبوري» أحد الذين اشتركوا في كتابته، واستلم مكافأة الاشتراك في لجنة كتابته.
وكذلك كانت تصرفات رجالات الحزب في المسؤوليات التي تسلمها على مستوى المحافظات، والتي أضرت بهذا الحزب، وجعل الجماهير السنيّة تنفض من حوله. حتى جاءت انتخابات 2010، ولم يحصل فيها على أكثر من 6 مقاعد في البرلمان العراقي. وأعطوا السنّة أصواتهم لشخص مثل «إياد علاوي» بكل مساوئه، ولا يعطوها للحزب الإسلامي.

وفي انتخابات 2014 أصر المالكي على أن يكون سليم الجبوري هو رئيس البرلمان، وأنه مقبول شيعيًا، وقد صدق ظنهم، كون هذا الرجل ومع الأسف قد أدى دورًا كبيرًا في استقرار الأمر للشيعة الموالين لإيران في العراق، وكان عونًا لهم في اضطهادهم للسنّة، والشاهد على ذلك، «أحداث ديالي» و«أحداث جرف الصخر»، وعمليات ما يسمى «تحرير المناطق السنية من داعش» في صلاح الدين، والأنبار، وأطراف الموصل، والتي ارتكبت في حق أهلها أبشع الجرائم من قبل جيش الحكومة العراقية والحشد الشيعي، ولم يحرك سليم الجبوري ساكنًا لنصرة أهله، بل كان يغطي تلك العمليات، ويبارك بها ويدعو للمزيد منها.

أداء سليم الجبوري في البرلمان

ومسيرته خلال ترأسه للبرلمان العراقي لم تكن بأحسن حال من مواقفه، فقد ساهم بإقرار الكثير من القوانين التي تصب في صالحهم ولا تخدم السنّة، بل لا تخدم العراقيين على المستوى الوطني بشكل عام، كان يحاول، وبكل ما أوتي من قوة لجعل العملية السياسية شرعية من خلال هذا التمثيل البائس للسنة في حكومته. وقد تساوى هذا الأداء السيئ للحزب مع غيره من باقي الكتل السنية العراقية التي نافسته في إساءتها للقضية السنية العراقية.

إلا أنه في الفترة الأخيرة بدأ الحزب يتصرف بشكل لا يمكن حتى للمساند له أن يجد تفسيرًا منطقيًا لها، ليحتسبها كأخطاء ممكنة الحدوث، إنما وصلت الأمور إلى أن تكون تلك المواقف السيئة، مقصودة وعن سابق نية، وتحولت إلى سياسة مضادة لمصالح أهل السنّة بالكامل وبشكل واضح، من خلال معاداتها لقوى مهمة يمكن أن يكون لها دور في مساندة السنة في العراق. فسعى لإغضاب الأكراد الذين يؤوون أكثر من 2 مليون عربي سني من خلال إقالة وزير المالية «هوشيار زيباري»، ولم يحرك ساكنًا في قرار البرلمان، اعتبار القوة التركية في «بعشيقة»، كقوة احتلال، وهو يعلم أن تركيا من الممكن أن تساعد في إعادة التوازن المفقود في العراق، ولم يسع لإصدار قرار مماثل بحق التدخل الإيراني في العراق. وكذلك السعي لإصدار قانون العفو الذي لم ينفع أهل السنّة بشيء، وولد هذا القانون ميتًا، وقد تم تفصيله ليشمل بعض السجناء الشيعة، وبعض مجرمي السرقة والمختلسين، على الرغم من معظم المسجونين هم من الأبرياء السنّة، ثم بدأ سليم الجبوري يحاول أن يصفي حساباته مع غرمائه السنّة داخل البرلمان من خلال قبوله لاستجواب وزير الدفاع العراقي، والذي لا يقل عنه سوء، وما تبعها من سجالات بينه وبين أسامة النجيفي واتباعه.

أداء الحزب الاسلامي خارجيًا

لم يكتف هذا الحزب من المواقف الداخلية المضرة بالسنّة، بل تعداها إلى السياسيات الخارجية، فزيارة سليم الجبوري لمصر كانت تمثل دعمًا لديكتاتورها «عبد الفتاح السيسي»، ونسي أن هذا الديكتاتور قد انقلب على الشرعية، وقتل الآلاف وسجن الآلاف ظلمًا، ويصرح من القاهرة بأننا ضد التدخل الخارجي، ويقصد به التدخل التركي، بينما لم نسمع منه كلمة واحدة ينتقد فيها التدخل الإيراني، وما تفعله المليشيات الموالية لها في العراق، بل على العكس من ذلك، يصرح من طهران بأن «إيران كانت دائمًا إلى جانب العراق حكومة وشعبًا في مواجهة الإرهاب، وقامت بدور مهم للغاية في هذا المجال»، وتناسى ما تفعله إيران في العراق طيلة الثلاث عشر سنة الأخيرة. وتناسى دور «قاسم سليماني» وإدارته للمليشيات الطائفية التي تقوم بأكبر عملية تطهير عرقي في المناطق السنيّة. وفي الوقت الذي يرفض علماء العراق استقبال القرد السوري الذي يسمى «بدر الدين حسون» مفتي الأسد، قام الجبوري باستقباله في خطوة لا تفسر، إلا أنها تأييد لما يقوم به الأسد من قتل للشعب السوري.

هل بقي شيءٌ يمكن للحزب الإسلامي أن يقترفه من خطايا في حق أهل السنّة في العراق وخارج العراق؟ وهل بقي شيء في سياسة هذا الحزب يمكن أن تصنفه كحزب عراقي سنّي؟ لقد تخلى هذا الحزب عن كل ثوابته، وأصبح لا يختلف عمن يسمون بـ«سنّة المالكي» بشيء.
هل يوجد أحد يستطيع التفريق بين هذا الحزب، وبين «صالح المطلك» أو «سعدون الدليمي» مثلًا في خدمتهم للمشروع الإيراني.

المشاركة بالعملية السياسية كانت ضرورة.. لكن تركها الآن هو الضرورة

إننا نعتقد جازمين أن ليس هناك من سياسي شريف يرتضي لنفسه أن يشارك حكومة تصب الحمم على أهله ليلًا ونهارًا، وتجرع السنّة أصناف العذاب والهوان، إلا إذا كان قد أصبح جزء منهم، ومشاركًا لهم بكل تلك الجرائم التي تقترفها. ولسان حال أهل السنّة في العراق يقول: نبرأ إلى الله مما تفعلون، يا أيها السياسيون السنّة، ويا أزلام الحزب الإسلامي، لا أقصد من قولي هذا أن الاشتراك في العملية السياسية كان خطأ من البداية كما كانت تدعي هيئة علماء المسلمين، والتي أسأت بمواقفها تلك بمصير على أهل السنّة، ولكن وبعد هذا المشوار الطويل في العملية السياسية، وصل السنّة إلى نتيجة: أنه لا يمكن لهذه المشاركة السياسية تقدم لأهل السنّة حلًا أو خلاصًا مما هم فيه، ولا بد من ترك هذه العملية السياسية وإسقاطها وإعادة تأسيسها على أسس وطنية بعيدة عن التطرف الطائفي، وإلا فما الذي جنيناه من تلك المشاركة، وما الذي سنجنيه إذا بقينا فيها؟ فالمشاركة بالعملية السياسية كانت ضرورة، لكن تركها الآن هو الضرورة.

إنصاف السنّة أو العصيان المدني

هل عجز العرب السنّة والإخوان المسلمون عن إيجاد بديل حقيقي لهذا الحزب طيلة تلك الفترة؟ وقد وصل به الحال إلى ما وصل، حتى أصبحنا نستحي أن نقول إن هذا الحزب يمثلنا. لقد آن الأوان بشكل جدي أن يقوم السنّة والإخوان بإيجاد حزب سياسي جديد بديل يمثل السنًة، بعيدًا عن كل الرموز السياسية الحالية التي لفظها الجمهور السني، ويجب أن لا يشتركوا في العملية السياسية، إلا إذا تمت الاستجابة لمطالب أهل السنّة والعراقيين بإعادة كتابة الدستور على أسس وطنية، والمشاركة الحقيقية لكل أبناء البلد في مؤسسات الدولة، خاصة الأمنية منها. عند ذلك فقط يمكن أن يشاركوا. وإلا فإن الطريق إلى العصيان المدني هو السبيل إلى إرغام من يتولون الحكم بالعراق للاستجابة لمطالب السنّة والعراقيين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد