مستوحى من قصة حقيقية … هذا هو الوصف الذي يندرج تحته فيلم هذا الأسبوع، إنه فيلم خيل الله للمخرج المغربي نبيل عيوش، خيل الله فيلم مغربي فرنسي بلجيكي صدر عام 2012، ويدور في فلك حقيقي لحياة عاشها أشخاص عاديون تحولوا فيما بعد إلى أبطال ولكن بصورة سلبية للمجتمع.

ووفقا للقصة الحقيقية فإن مدينة الدار البيضاء المغربية شهدت تفجيرا إرهابيًّا عام 2003، وكان منفذو العملية الإرهابية مجموعة من الشباب من الحي ذاته “سيدي مؤمن”، واستعان عيوش برواية تتناول الأحداث للكاتب المغربي ماحي بينبين تحمل اسم “نجوم سيدي مؤمن”.

حياة رخيصة

يقدم الفيلم نموذج للبيئة المولدة والراعية للإرهاب والانحرافات، ليوضح أننا لا نولد إرهابيين، كما يعلن عيوش في الفيلم، حيث يكشف أبعاد تجاوز الطموح والسعي للموت، ومعنى الحياة الرخيص لدى البعض في سبيل الانتقام من العالم المحيط، نظرا للحقد المتراكم.

حينما تشاهد الفيلم وأنت لا تعلم أنه مأخوذ عن قصة حقيقية تتعجب من واقعية ما ينقله، وتتساؤل كيف مازالت سبل استقطاب الشباب للإرهاب والفكر المتطرف واحدة، وتصطدم بإجابة واحد شافية لا مفر منها، وهي أن الواقع المرير مازال واحدا دون تغير، فهي دائرة مفرغة تفرز ما تتناوله، وتلفظ التغير أو التحرر من القيود والتابوهات عديمة الجدوى.

هناك مكونات سرية لخلطة الإرهاب، حيث الفقر والجهل مع الطموح غير المحدد، واستغلال الدين أو أي عقيدة لاستقطاب العناصر، ويتميز فيلم “خيل الله” بتوضيح تلك العناصر وإبرازها لتأتي النهاية الطبيعية لها، لتشعر بالغضب والمنطقية في الآن نفسه، ثم ينقلك الفيلم إلى مستوى آخر وهو ما بعد المشاهدة، حيث التفكير في الحلول والمتغيرات الممكنة.

يتمحور الفيلم حول حميد وأخيه الذي يصغره بقليل ياشين، صاحب حلم الكرة، حيث يبدأ المخرج معهم الفيلم منذ عام 1994، ويجسد حياتهم في حي سيدي مؤمن، ويلفت المخرج إلى شخصية حميد الرزينة القوية بعض الشيء، التي ينخرط معها إلى بيع المخدرات ودخوله السجن بسببها فيما بعد، لتضيع أحلام الطفولة ويتم وأدها ليولد مكانها نبته شريرة تحمل معها الموت.

ورغم أن كلمة السجن يقرن معها صفة أنه إصلاح وتهذيب لكن هذا أمر غير حقيقي، حيث إن السجن هو بوابة حميد للإرهاب، حيث تم استقطابه من قبل مجموعة من الجماعات السلفية الجهادية، بالتزامن مع أحداث مركز التجارة العالمي في نيويورك، وتنامي الحديث حول الإسلاموفوبيا واتهامات الإسلام التي لا نهاية لها.

تتوالى الأحداث حول تحول حميد إلى عنصر منهم ويعمل معهم، بل ولم يكتفِ بهذا بل فتح الباب لاستقطاب أخيه وأصدقائه من الفريق الكروي، ليكونوا نواة خليه جديدة، لا سيما بعد الدعم والعون الذي وفرته خلية الجماعة السلفية لهم.

شخصيات

يعتمد الفيلم على رسم مميز للشخصيات، يكشف معه نموذج من الشباب، الذين يكونون لقمة سائغة في يد الجماعات الجهادية، مع توافر المناخ الجيد لهم، وضياع الأحلام، وغياب الوعي.

حيث يوضح سيناريو جمال بلماحي كيفية تحول الشخصية وملامح تكوينها لتصبح لغمًا قابلا للانفجار بمجرد اللمس، وعازم على الانتقام، ليس فقط من المجتمع ولكن من نفسه لوجوده به، وهو ما تجسد في شخصية حميد وياشين.

 

خيل2

صورة مغايرة

فضلا عن التناول الموضعي للإرهابيين، حيث جسد الفيلم صورة الإرهابيين والقائمين على الخلية بأنهم أشخاص أصحاب فكر ورؤية وابتعد عن التابوهات في رسم شخصية الإرهابي والأنماط المحفوظة، لنجد أنهم أشخاص ذوو عقيدة ولديهم سبل إقناع قوي وروح قيادة عالية.

لغة سينمائية

ولم تتوقف الموضوعية لدى الفكرة بل تطرقت لتنفيذها، حيث سخَّر نبيل عيوش كافة السبل لطرح الفيلم بصورة موضوعية، برزت في صورة مدير التصوير “هشام علوي” حيث امتازت عدسته بالموضوعية ورصد الحدث، واخترقت الحي من خلال كادرات بسيطة في تكوينها، كشفت بسلاسة مدى البؤس والاحتقان.

فيما جاء مونتاج داميان كييو معتمدا على القطع للانتقال بين المشاهد بصورة حاسمة جعل الإيقاع متوازن وتراتبي، ليصل إلى لحظة النهاية وينتهي بإظلام لموت ما بعد الحياة البائسة.

فيما جاءت الموسيقى ناعمة وقليلة بعض الشيء، ومهدت للحظة النهاية حيث جسدت انتظار العاصفة، فمن خلال نغمات هادئة مليئة بالشجن جاءت موسيقى مايك كورتيزور.

أما التمثيل فلم يقل عن جودة عناصر العمل، حيث جسد كل من عبد الله رشيد في دور حميد وعبد الحكيم رشيد دور ياشين بكل جدارة، موضحين ملامح الشباب الغاضب الذي قُتل طموحه ليتحول إلى شبح يهدد حياة الآخرين.

نبيل عيوش استعان بلقب المجاهدين بحسب تسمية جماعات الجهاد وهو “خيل الله” ليكن عنوان فيلمه وكذلك أبطال فيلمه أيضا، وليوضح أن خيل الله الذين يفتحون البلاد وينشرون الإسلام الحنيف، تحولوا ليحملوا الموت وينشروه في الأرض.

جودة العمل جعلته يحتل مساحة متميزة في المهرجانات، حيث حصد عددا من الجوائز في مجموعة مهرجانات أهمها أفضل فيلم أجنبي في مهرجان لومير بفرنسا لعام 2014، وكذلك أفضل إخراج في مهرجان كان وروتيردام، كذلك أفضل تصوير في مهرجان مجريت ببلجيكا.

مشهد النهاية

يأتي مشهد النهاية ناعما وغير مبالغ به، حيث نشهد بهذا المشهد عملية الانفجار التي ستتم في أحد المطاعم الأجنبية بمدينة الدار البيضاء، ونفذ المشهد بصورة متقنة وبسيطة للغاية، مثل السلاح التلم الذي يذبح مولدا وجعا لا نهاية له، كما يُختتم المشهد بلقطة بانورامية على الحي، ومشاهدة الأطفال الصغار للتفجير، ليشير إلى أنهم جيل جديد ينتظر الاستقطاب من قبل الإرهاب إذا ما استمرت الأوضاع على حالها، حيث الفقر والجهل والطموح غير الموجه… ليكونوا خيل الله المنتظر.

خيل1

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد