فوجئت مؤخرًا – وأنا المعتادة على منصة عتبة معينة من الصدمات، فقليلًا ما يعنيني أي شيء – أنّ ثمة «كاتبة» معروفة ولها على مِنبر الشهرة – السوشيال ميديا – حسابًا يشتعلُ بالفعلِ بالمتابعين ، وقد «قطت الحجاب»!

قطّ- يقطُّ – مقطوطًا! والتي تعني، في اللهجة الكويتية، أخذ الشيء فرماه .. وهو تعبير مستخدم بكثرة هذه الأيام إذا ما اقترن مع الحالات التي خلعت الحجاب.

في أواخر 2010 راودتني فكرة خلعِ الحجاب كليًّا ! حسنًا أنا جميلة ولدي مهاراتي المتعددة ! وحياتي كانت على مفترقِ طُرق! كان للفكرةِ سبب! كان معروضًا عليّ منصبًا في شركة عبارة قارات كبيرة، فقالت لي السيدة التي أجرت معي مقابلة العمل بالإنجليزية «هبة، لديكِ كل المؤهلات والإمكانات، لكن حسنًا – ونظرت نحو رأسي – إلا المظهر العام»!

وكنت كُلَّمَا هممتُ بالتنفيذ أفاجأ بمنظري شعري في المرآة، وقد أصبح قبيحًا لدرجة أَنِّي كنت أغطي المرايا! كنت أشّعرُ بصفير ريح حول رقبتي … كنت أحسُ بالبرد في مدينة لا يزورها البرد إلا لمامًا! حسنًا .. لعلِّي كنت أحـسُ بالتيه!

ثم في يومٍ اتصلوا بي يستعجلوني لأبدأ العمل :قال أحدهم بالإنجليزية «هل هذه هبة»؟

نفضتُ بقايا النوم عن عيني، وتثاءبت في سخافة مُتعمدة ليُسمع صوتي، وأجبت بالإنجليزية أيضًا: «حسنًا .. هذه هبة .. لكن ليست الـهبة التي تريد»!

وأقفلت الخط في وجهه وأكملت نومي ..

مكثتُ بعدها شهرًا في البيت ! بلا عمل! على الحائط شهادتي العلمية العالية، وفي الأدراج عددٌ من المشاريع .. وفي القلب .. أنشّودة أعرفُ نغماتِها .. تراودني حينما يُصيبُني أملٌ – بلا أي مبرر ومن حيث لا أدري- كطوق رُمي بالصدفة وسط محيطٍ من الضباب!

ثم … استيقظتُ في يوم وقولت لنفسي «يأتِ به الله» وهممتُ أبحث عن طُرقٍ وتجارب وقرأت ودرست السوق واجتهدت فيسر الله لي ثم ألقى على دربي تعاجيل عملي.

نعم لا أُجني حتى نصف ما كان معروضًا علي في تِلّك الوظيفة ، وقد تمرُ علي بعض الشهور لستُ أدري كيف سأستمر في إنجاح عملي؟ وكيف سأسدد الإيجارات وكيف وكيف! لكن .. كنت أحس أني حُرة! حُرة!

حسنًا أنا آخر إنسان قد يعنيه التصنيف بناءا على الحجاب! كانت لدي زميلة دراسة لمدة طويلة لم تردتي خلالها أي حجاب! ولم يكن يعنيني الأمر، ولم أمارس عليها دور الداعية الساذج الذي يتبلطج به البعض على الخلايق، ولا أتذكر يومًا قط فتحت معها موضوع الحجاب أو لماذا لم تتحجبي إلى اليوم؟! طالمًا أرتضيتُ أخلاقها وسلوكها، وكنّا أنا وهي صحبة .. تعرفُني وتعرف أخواتي، وأنا كذلك .. وفي يومٍ فوجئت بها وقد تحجبتْ! جعلتُ أحوم حول قرارها – وليس في قلبي لا فرح ولا حُزن تجاه الأمر، فقط فضول! إلى أن قالت في وسط أحد أحاديثنا أن تحجُبها هو أحد الوسائل التي قد تجعلها تتزوج كما أقنعتها أمها! والحمد لله استقرت على الحجاب، بالرغم من تأخر زواجها – خلافًا لخطتها في إردتدائه!

حسنًا .. أنا لا أبرر للحجاب ولا أبرر ضده .. أنا فقط مُقتنعة أن من آتى على فعلٍ عليه أن يتيقن! ولست ألوم امرأة قررت فجأة أن تخلع الحجاب لقناعة ما … أنا آخر إنسان يحكم على أي من هذا .. لكن ما الذي – حقًا – يجعل إمرأة ، لديها بالفعل كل شيء .. مستقرة ماديًا، معروفة في مختلف الأوساط، لديها منبرها المكتظ بالناس المستمعين لها، ما الذي يجعلها بعد سن الأربعين تُقرر فجأة أن الحجاب مُجرد رمز لا يُمثلها! أم أن رموز الرأس ليست في الدين، ولا تدّل على ما يكنه قلبنا تجاه الله؟

إن كان هذا حقًا فلم نجد «العذراء» في تماثيل ورسومات الكنائس والكاتدرئيات امرأة محجبة؟
لماذا نرى نساء اليهود الأرثوذكسين يرتدون ما يشبه العباءة ذات الرأس؟! أنا في حيرةٍ من أمري حقًا؟
ربما أنا لم يجبرني أحد على الحجاب قط – كقصة فردية – ربما الوضع مختلف مع آخريات – فُرض عليهن الحجاب، بلّ ما هو أشق – فرض عليهن النقاب صغيرات السن، فلم يمهلهن ذلك التمتُع بمباهج الطفولة والمراهقة الغضة! فما تزال حظوة تجربة الريح تداعب الرأس الحاسر فكرة مدفونة يعاودها الحنين كلما مر على العين ما يُثيرها – امرأة جميلة بشعر طويل في أغنية ما أو فيلم رومانسي!

ومن منا لم يُجرب؟ بالتأكيد للتجربة إغراءاتها؟ لكن أين كانت تلك الإغراءات في سن صغيرة قليلًا … 25 سنة؟ 30 سنة؟ 35 سنة ؟!

ماذا إذن عن ابنتها التي قد رأت والدتها حتى سن يؤهلها لوعي سيُشكل هويتها لعمرها القادم – محجبة! وفجأة رأتها وهي تجوب الشوارع حاسرة؟! … هل ستقول لها «حسنًا .. الله في قلبي يا صغيرتي»! ليس فوق رأسي؟! وإن كان الله حقًا في قلوبنا؟ لم لا نمتثل لتعاليمه! آه .. تذكرت! ليس ثمة آية واحدة في كتابه هي دليلٌ قطعي على وجوب الحجاب! اممم .. لست أدري لم تعاود صورة العذارء القفز في وجهي الآن!

«كل مشكلتنا اللغة» هكذا قال لودفيغ فيتغنشتاين، عالم اللغة والفيلسوف المعروف!

وربما هي نفس المشكلة (اللغة) التي جعلت بابوات الكنيسة يعتمدون ترجمة النص اللاتيني بشّكلٍ حرفي لتفسير تجسّد الرب داخل إنسان ﴿وَنَفَخت فيه من رّوحي﴾، لتصبح المعضلة في تفسير وجود ثلاث أيقونات (الأب – الابن – الروح القدس) في التثليث المشهورة [1].

وهل المكانة التي قد يصل لها المرء عند حد مُعين تُعين عليه مسايرة المستجدات الشكلية؟! حسنًا .. انتشرت في الآونة الأخيرة أزياء قمة في الرقي والأناقة المفرطة للمحجبات .. لاتكاد تجعل منك إلا فاشونستا وأنموذج أناقة متحرك – إن امتلكتِ المال الكافي والحس الأنيق – بل أن بيوتات أزياء عالمية قد أفردت لعروضها الموسمية جزءا خاصًا لمن يرتدين الحجاب ولديهن بالفعل عارضات رسميات لذلك!

أم هل اكتشفِ فجأة أن شعرك الناعم مظلومًا على صورةٍ ما، ويتوجب عليه أن يأخذ نصيبه من عوادم السيارات والأبخرة القذرة التي تُعبئ مدننا كما هو حظ بشرتنا البائس؟!

أم هل السفر المتكرر إلى الخارج في المؤتمرات والفعاليات الأدبية جعل من «الحجاب» منظرًا لا يُدل بمصداقية على ثقافة حامِلته – في بلدٍ عربي لُحمته الفكرية منغلقة نوعًا ما! فكان لزامًا أن تُثبت أن لثاقفتها المركز الأول وأن القضية تستحق، لأن ليس ثمة نص قرآني واحد يشير للحجاب كفرض؟! وأن الجو المحيط بكل مجرياتها السريعة يقتضي التحرر من أعراف مجتمعية بالية؟! في حين أن نساءا – غربيات – يلقين مصرعهن يوميًا ثمنًا لاختيارهن لبسه، والثبات عليه بسبب عدوى الإسلاموفوبيا المتفشية بعد اكتساح أحزاب اليمين المتطرف سُدة الحكم في أغلب تلك البلدان.

أم هي نزوة شيطان مؤقتة! لعل إقحام الشيطان هنا سيُعتبر ظلمًا له – هو مجرد تافه خططه قصيرة المدى، ويعمل بشكل عشوائي كمتسول يتقافز ليفوز بالفتات في خطط مكشوفة!

أنا لست هنا لأحكم – لا عليها ولا على غيرها – لكن أليس في الأمر بضع ثوابت! كالحجاب (لمن بالفعل ارتضاه لسنين كثيرة في حياته – ولا أقول نقابًا لأن النقاب كالزيادة في صلوات التطوع، إذا حافظتِ على فروضكِ الخمس لا يُضيركِ عدم الزيادة)! إذ لا يُعقل أن يتفاجأ المرء بعد بلوغه عمرًا يجعل من كل الثوابت التي كرس لها عمرًا سابقًا كأنها لم تكن!

أم – ويُخيفني أن أقول ذلك حقًا – هل سيكون «الدين» القادم = لايكات

نرتضيتها بأي ثمن؟!

ربما كان باومان محقًا حينما ذكر في أحد مقالاته بعنوان «وسائل التواصل الأجتماعي الفخ» [2]، إذ يقول فيه «لقد أثبتت وسائل التواصل الاجتماعي أنها فخ قد وقعنا فيه، فبدلًا عن توظيفها لنستخدمها، استخدمتنا»!


[1] راجع ترجمة كتابنا لأحد نصوص عالم الفيزياء واللاهوت الإنكليزي اسحق نيوتن: وصف تاريخي لتحريفين مهمين بالكتاب المقدس» -إصدارات نماء)
[2] Zygmunt Bauman: «Social media are a trap»

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد