استهلال:

هذه هي افتتاحية هذه السلسلة، وهي من نوعية السلاسل التي لا تعرف متى تبدأ، ولا متى تنتهي. والتي أسأل الله فيها التوفيق والهداية؛ كي أتمها على الوجه الذي يرضيه؛ لأحصل عن طريقها خيرًا لي وللناس . وسوف أتناول فيها بإذن الله الآتي:

الله

فالسلسلة معنية بتعريف الله، وما يليق له وما يستحيل عليه، وما ألصق به سبحانه عن طريق الوعاظ من بواطل شوهت صورة الإله بداخلنا، حتى يكاد أحدنا يؤمن بالشيء ونقيضه فى نفس المسألة. وأهم وسائل التعرف هى أسماء الله وصفاته التي جاءت إلينا عن طريق الوحي والوحي (قرآن وسنة صحيحة) وما أخبر الله به عن نفسه من محكمات لا تقبل التغيير ولا التبديل، وهي مثل أن تقول أن الله حي لا يموت وبرهان هذا أي أن الله لا يموت هو أنه سبحانه هو واهب الحياة ومنشؤها من العدم فكيف لمصدر الحياة أن يموت، وهو الذي يهبها لمن يشاء وينزعها عمن شاء سبحانه. ولهذا أرسل الله الأنبياء والرسل للناس لتبين لهم ما غير وما حرف من الحق الذي كانوا عليه وتعطيهم إرشادات الطريق الصحيح وتسلمهم كتب فيها تلك الأصول والثوابت عن طريق الأنبياء والمرسلين .

فالرسل

أتوا لدعوة الناس بالحق والبرهان الساطع الذي يدمغ مراوغات الباطل واستدلالاته وهم السبيل الوحيد الذي من خلاله ينجو الناس فى الآخرة أو يهلكوا، ولكن هذا لا يتم عن مجرد إخبارهم الناس بأنهم رسل بل لابد من إظهار بينات الوحي للناس ومناقشة الباطل الذي هم عليه ليحي من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة، فلا يصح ما استشهد به البعض على أن مجرد الإخبار كاف، حتى ولو لم يسمع الناس ما في هذه الرسالة، وكان استدلالهم بهذا الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لاَ يَسْمَعُ بِي أحد من هذه الأمة لا يَهُودِيٌّ، وَلاَ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كانَ مِنْ أَصْحَابِ النار. فهنا النبي قد مات ويخبر أن من يسمع به على قول هؤلاء (مجرد السماع دون البيان) ثم لم يؤمن فهو من أصحاب النار ! وهذا مخالف لمقصود الوحي أو إرسال الرسل فهم ما جاؤوا إلا للبيان وإقامة الحجة بالدليل، وليس مجرد الوجود، والقول أنهم رسل لأن هذا يعني أن الناس مطالبة بقبول كل أحد يأتي ويقول لهم أنا رسول من الله فاتبوعوني، فما الذي يمكن أن يفرق به الناس بين النبي والدجال، إذا كان مجرد الظهور يوجب الإيمان والذي عليه يدخل الناس الجنة والنار وتقبل منهم أعمالهم أو ترفض! ومخالف أيضا لقواطع القرآن ومنها قوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا  «ما صفتهم» مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا «ما عملهم» يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا «ما صفتها» آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ. وهل يحاسب الناس قبل وصول البينات إليهم ؟ بالطبع لا، لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ «أي منتهين عن كفرهم  زَائِلِينَ مُنْفَصِلِينَ، مائلين عنه». حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ – والتي هي –  رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً  ( 2 ) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَة – أي أن صفة هذه البينة والتي هى الرسول والكتاب الذي جاء به، مستقيمة مستوية محكمة ناطقة بالحق غَيْرُ ذَاتِ عِوَجٍ . ومن يتلقى هذا عن الرسل ويفهمه هو العقل.

العقل

لذلك كان «العقل» هو المخاطب بنداء الإيمان وكان هو مناط التكليف بعد الاتباع. فالمجنون لا يكلف ولا يحاسب على كفر وايمان وهو ناج فى الآخرة؛ لأن أداة التمييز التي يملك قد فسدت. والعقل ليس له مستوى واحد لإدارك الأمور فى كافة القضايا فهناك مستوى عقلي مشترك عند الجميع يحوذه العالم والجاهل و الأمي والمتعلم وهو المستوى الذي خاطبت به الشريعة الناس أجمعين، والذي من الممكن أن نسميه مستوى الإدراك الأول، إدراك الخطر و إدراك التمييز وغيره، مثل فروق الأطوال وأن البرد بخلاف الحر والصيف بخلاف الشتاء ودور الماء غير دور النار  وأن للصنعة صانع وللحدث فاعل والصديق خلاف العدو والفيل خلاف النسر والصدق خلاف الكذب، وهكذا، فكل هذه أمور مستقرة يدركها العقل ويعمل عليها. أما تطوير أدائها وفهمها فمكتسب، ليس لكل أحد أن يحوذه وهذا هو المستوى الذي يأتي بعد الإيمان والتسليم ويحتاج إدراكه إلى نظر  لكن ( بطريقة أعمق ) وتفكر، ولكن «بشكل أعقد» وحيازة قواعد هذا العلم المنظور فيه مثل الفقه والطب والتكنولوجيا وهو لا شك مستوى لا يستوي الجميع فيه، وليس لكل أحد أن يحكم في أمره بمجرد النظر البسيط الذي استطاع به فهم وإدراك رسالة الله إليه. والعقل إذا سلم بأن ما يقوله النبي حقا يصدق ما لا يمكنه حتى رؤيته والتعامل معه مثل الجنة والنار والملائكة والجن والرسل السابقون، فهنا العقل يعلم أنه لم ير هذا ولكنه يعلم «عقلا» كذلك أن هذا الذي يؤمن به «لا يستحيل» وجوده، لكن قدرته هو على رؤيته تحتاج إلى أدوات لم يحذها وطريقة مخصوصة  كانت للنبي ولم تكن له. لذلك كانت الحجة تقام على كافة العقول التي تعي ما يقال لها وتفهمه، سواء كان صاحبها منكوس الفطرة أم على أثارة منها أو كان صاحبها يتبع الهوى أو يبحث عن الحق فكل الصحابة قبل البعثة كانوا منكوسي الفطرة يتبعون أهوائهم وفي ضلال مبين، وكانوا من زمرة الكفار، لكن كلا بدرجاته، فلا يستوى وقت «الكفر»، عقلًا «أبو بكر» و«أبي لهب» أو «أبو جهل» و«المطعم بن عدي»، لكن فى النهاية الكل مخاطب والخطاب ينفعه ويؤثر فيه، ولكن رجل يطمئن فينقاد  ويؤمن، وآخر يعاند ويستمر على كفره وهنا تقوم الحجة.

الحجة

هى الدَّليل والبُرْهان، ولله الحجة البالغة التي تقطع عذر المحجوج، وتزيل الشك عمن نظر فيها، الغالبة كل حجة لإنه اذا غلبت حجة المخلوق ربه الخالق  دل هذا على عجز الخالق وتفوق المخلوق، وهذا يستحيل على الله تعالى، ونقص بالغ غير موجود لذلك كانت حجة الله لا تحج لذلك كان لا يكفر الكافر ويكون من أصحاب السعير، إلا عن عناد وفهم واضح أنه على الباطل والضلال المبين، فهنا قد قامت الحجة البالغة على العقل، وهنا يعلم العقل يقينًا أن كفره كفر عناد بعد البيان فلم يعد لحجته معنى، وليس لجحوده سبيل وأيضًا كل حجة لا تكون على الوجه هذا ناقصة، وليست على مراد الله؛ لأن أصول الحجة على هذا النحو:

أولًا

أنها واضحة مفهومة فإذا لم تكن واضحة أو غير مفهومة لم تكن حجة، بل قد تكون جزء منها أو فتنة فى فهمها وإدراك معناها ووقتها يكون هذا الناقص مانع من وصول الحجة وليس مقيمًا لها.

ثانيًا

أنها تدمغ حجة المحجوج فلا تقام مرة أخرى، ولا تصلح كحجة مضادة لهذا جاء وصف الحجة فى القرآن بقوله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ. والحق هنا هو «الحجة» والباطل هو «الشبهة» ودور الحجة هو دمغ الشبهة، أي إتلافها وإهلاكها فتميت الحجة الشبهة كَمَا يَدْمَغُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بِأَنْ يَشُجَّهُ عَلَى رَأْسِهِ شَجَّةً تَبْلُغُ الدِّمَاغَ، وَإِذَا بَلَغَتِ الشَّجَّةُ ذَلِكَ مِنَ الْمَشْجُوجِ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدَهَا حَيَاة، وهكذا تكون الحجة، وأي حجة ليست على هذه الصفة، فليست حجة، لأن الحجة واضحة دامغة. لذلك كان أهل الفترة ناجون من الخلود في النار محاسبون على غير ذلك؛ لأن الله كتب على نفسه ألا يعذب من لم تصله «الرسالة»، والتي هى: الحجة البالغة عن طريق النبي المبين لها فقال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «لماذا». لِئَلَاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. ولهذا كان خزنة النار يسئلون أصحابها ـ أعاذنا الله واياكم منها ـ هذا السؤال البين: … أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وهؤلاء هم الكافرين المستحقين للخلود فى النار على من قال بخلودها لا غير كما في قوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا  بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ. وقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ. فكلهم جائهم النذير وكلهم كذب واعرض عنادا بعد بيان الحق على قلبه وسقوط حجته فلم يبقى لهم حجة ولا عذر ولا أحد أحبُّ إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين، كما عند الإمام البخاري لهذا كان الإشهاد الأول الذي قال عنه الله سبحانه وتعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمُ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ يأتي بمعنى «الفطرة» التي تقود صاحبها إلى إتباع الرسول بعد إقامة الحجة البالغلة وليس بمعنى «الإشهاد الكافي» الذي يكتفى به لدخول المرء الجنة أو النار لأنه لو كان: لكانت بعثة الأنبياء والرسل عبث وحاشا ربنا ذلك، وهو كمن يطلب من الناس التقديم والمنافسة فى إحدى الجامعات، بالرغم من أنه قد قرر مسبقًا منذ يومهم الأول من الناجح، ومن الراسب بغير امتحان ولا كتاب ولا أحد يشرح له المنهج الذي عليه يتقرر نجاحه من عدمه، ويعني أنه تستوى المذاكرة والركون ويستوي المجتهد والفاشل، بل إن كل هذا لم يكن له معنى بالأساس فقد حدد الأشخاص الناجحون مسبقًا ذاكروا أم لم يذاكروا، اجتهدوا أم لم يجتهدوا، بالرغم من أن بعض المفسرين فسر هذا الإشهاد بشهادة بني آدم بعضهم على بعض كما ذكر الطبري في تفسير الآية عن أبي جعفر وغيره. وكذلك لا يمكن أن تقوم الحجة إذا قدمت مشوهة منفرة، لكنك تتفاجأ أحيانا بأحدهم يقول إنه حتى لو قدمت الحجة  مشوهة يجب على من قدمت اليه أن يبحث وسوف يعاقب على تقصيره في هذا! وهذا لا يقوله إلا المجانين فكيف أبحث عن شيئ لا أطيقه كي أعتقده وأسير خلفه والصحيح أنني وقتها سوف أبحث عن كل طريقة أستطيع من خلالها تحذير الناس منه؛ لأنه بالنسبة لي مصدر من مصادر التعاسة والشقاء وليس العكس فإذا أقيمت الحجة البالغة تحتم المصير العادل والمصير يكون إما جنة وإما نار

الجنة والنار

هى المآل الأخير للناس فريق فى الجنة وآخر فى السعير، وهذا أصل من أصول الإيمان فهو حكم الله المعلوم والمنصوص وليس حكم الناس بل حكم له قواعد بينها الله ورسوله، ونحن لنا الظاهر، والله يتولى السرائر وعليها يكون الحساب فى الأخرة و القاعدة هي أن من كفر بالله أو اشرك معه أحد كان مسماه فى الدنيا كافرًا والكافر فى الآخرة مصيره الخلود فى النار بلا شك أو ريب أم مصير المعين، فهو لله وحده  فهو الذي يعلم توجهات القلوب ولمن تصرف أعمالها ويعلم المعذور من غيره ويعلم المفسد من المصلح ومن يبحث عن طريقه بصدق ومن يدعي ذلك وعنده الميزان الحق الذي تقبل به الأعمال أو ترفض بدقة ليس لأحد أن يتخيلها ولن يدخل النار من لم تصله الرسالة بينة دامغة تزيل الشبهة وتقيم الحجة عليه وهذا لا يجعل الناس تتردد فى وصف الكافر بالكفر والفاجر بالفجر والمسلم بالإيمان، بل تجعلهم يتوقفون عن منح الجنة لهذا أو النار لذاك المعين فهذا ليس لهم وألا يقيموا فتنا بالأشخاص ومآلهم في الأخرة فهذا ليس لهم إن جل ما لهم هو الحكم بالظاهر وفق القواعد المعلومة والمقررة والتي يعلمها الراسخون في العلم الواجب عليهم بيانها للناس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدعوة, الله
عرض التعليقات
تحميل المزيد