ربما الحديث عن الله، عن ماهيته ووجوده وتفسير إرادته الواقعة علينا لَهو حديث يتسم أغلب الأوقات بالحيطة والحذر، فَكَلِمة هنا أو تلميح هناك وستقع حتمًا في إحدى الهفوات، وسينتهي بِك الحال مُلاحق قضائيًّا بسبب قوانين في عالمنا العربي مثل قانون ازدراء الأديان، وما إلى ذلك. ولكن هذا الحديث لن يتوخى أي حذر أو حيطة وحتى لن يدرأ الشبهات، فَتِلك كلمات تُمليها عليّ نَفسي وحتى إن لم أكن قادرًا على تَفسير ماذا أقصد بِنفسي؟ أو أنا؟ ولكني سأكتب ما تمليه عليّ تِلك الحالة في كل الأحوال، سأكتب عن الله، الدين والعلم وأشياء أخرى، والبداية تكون مع الله.

1- عَن الله

قبل أن نُسهب في الحديث عن الله، يجب علينا أولًا أن نحدد ماذا نقصد بهذا المصطلح وأن نحدده أولًا، فَعن أي إله تتحدث؟ هل هو الإله الأينشتايني، الإله الذي آمن به كارل ساجان، الإله الذي نصف به كل الروعة والجمال التي نجدها في الطبيعة والكون من حولنا؟

أم هو إله الفجوات الذي نُعَّول عليه الكثير والكثير في الأشياء التي لم نَسْتَطِع فهمها وإدراكها كُليًّا بَعد، فعلى الرغم من أننا استطعنا حل أحجية كيف تطورنا على هيئتنا الحالية عن طريق فهم الآلية التي يعمل بها الانتقاء الطبيعي، وكيفية الوصول من البسيط إلى المعقد، ولكننا لم نستطع حل لغز نشأة الحياة حتى الآن، وهنا يأتي دور إله الفجوات لَحَل تلك المعضلة، المعضلة التي بدأت مع بداية الكون فكما الحال في الأحياء التطورية يبقي الوضع على ما هو عليه في الفيزياء وعلم الكونيات، نعم هذا الكون عمره 13.8 مليار عام، نعم نحن مصنوعون من بقايا النجوم التي انفجرت وماتت من أجلنا في انفجارات السوبر نوفا لتنشر العناصر الكيمائية الأثقل، مثل الكربون والنيتروجين والأكسجين التي تم تخليقها في قلب تلك النجوم في تفاعلات الانصهار النووي في النجوم. عناصر يتكون منها معظم جسدنا، لم توجد في بدايات الكون بعد الانفجار العظيم الذي كون الهيدروجين والهيليوم والليثيوم أخف العناصر الكيميائية في بداياته، ولكن عودة للانفجار العظيم، الذي لَم يكن انفجارًا على الإطلاق، وإنها هي النظرية القائلة بأن كل المادة والقوة باختلاف أنواعها «النووية- الكهرومغناطيسية- قوى الجاذبية» مجتمعة في متفردة واحدة متناهية الصغر والكثافة، ثم حدث الحدث الخلاب وبدأت تلك المتفردة في التوسع محررة القوى الرئيسية في الكون، في الواقع نحن لا نعلم كيف أتت تلك المتفردة إلى حيز الوجود، هل ظهرت من العدم؟ والذي يتبين أنه ليس عدمًا على الإطلاق، فذلك الفراغ الفلسفي السرمدي الفارغ اتضح أنه مليء بالأشياء، وأنه يحمل اسم الفراغ الكمي، وهذا الفراغ عندما نطبق عليه قوانين النسبية الخاصة وميكانيكا الكم فإننا دومًا سنحصل على شيء، فهذا الفراغ الكمي المضطرب الذي تظهر إلى الوجود فيه جسيمات افتراضية وتختفي إعمالًا بمبدأ اللايقين، يمكن أن نحصل على شيء منه إذا انتظرنا كفاية، هل أتت تلك المتفردة عن طريق الأكوان المتعددة، وأن هذا الكون ربما يكون مجرد كون من عدة أكوان لا نهائية، مجرد فقاعة من ضمن مليارات الفقاعات وبتطبيق المبدأ الأنثروبي، فإن هذا الكون حتمي لأن قوانينه ومعادلاته تسمح بوجودنا، ولذلك فإن وجودنا كان ضروريًّا.

ومن فهمنا لنسيج الكون ورؤيتنا لتجارب مثل الشق المزدوج، فنظرية الأكوان المتعددة لا تصبح محض خيال، ولكن هل كانت الأكوان المتعددة؟ نحن لا نعلم حقًّا. وهنا يأتي دور إله الفجوات لسد تِلك الفوهة عن طريق نسب الوجود وكل شيء لم نستطع فهمه وتفسيره له، ولكن هذا لم يحل المعضلة على الإطلاق بل زاد الأمر تعقيدًا، فأنا أتذكر ذلك الرسم الكاريكاتيري الساخر لعالم يحاول أن يشرح نظرية ما عن طريق المعادلات، ثم يكتب في منتصف المعادلة «ثم حدثت معجزة»، فهل فسر ذلك شيئًا؟ لا على الإطلاق بل زاد الأمور سوءًا لأن افتراض وجود خالق أو إله وراء عملية مثل نشأة الكون، يتطلب أيضًا وجود تفسير لوجود هذا الخالق، لا يمكن أن نكتفي فقط بعبارة ثم حدثت معجزة، وبدل التعامل مع معادلة الوصول لتفسير نشأة الحياة والكون، تم إضافة مُعامل آخر لتصعيب الأمور وتصبح المعادلة كالآتي، تفسير وجود الإله الذي أنشأ الحياة والكون ووضع القوانين والثوابت الفيزيائية، المشرف على الانتقاء الطبيعي، الذي وضع وأعد كل هذا ثم جلس ليشاهد، هل هذا هو الإله الذي نتحدث عنه؟ أم هو الإله الشخصي؟ إله الأديان الإبراهيمية على سبيل المثال، إله العهد القديم على كل الصفات السيئة التي تنسب له في العهد القديم، الإله الذي شق القمر للنبي محمد، والبحر للنبي موسى، وخاطب سيدنا إبراهيم، الإله الذي هدم قرية بأكملها لأنهم كانوا مثليي الجنس، وأغرق أخرى لأنها لم تؤمن به، الإله الذي يراقبك ليلًا ونهارًا ويهتم بك وبأفكارك ونزواتك ومشاعرك، ويا لهذا التناقض الرهيب فمنذ وهلة كنا نتحدث عن إله واضع لقوانين الفيزياء، إله ننسب له كل ما هو جميل، إله خالق لهذا الكون وعندما أكتب «الكون» فأنا أعنيها حقًّا، فهذا الكون كبير وعتيق بدرجة لا نستطيع أن نتخيلها، ملايين السنين الضوئية بين المجرات، مليارات النجوم والكواكب، ويترك كل ذلك ليراقب شخص داخل عنقود مجري بداخله مجرة تدعى درب التبانة بداخلها نجم اعتيادي تدور حوله مجموعة كواكب من ضمنها كوكب يدعى الأرض، حقًّا! ما المثير جدًّا في قطعة الغبار الكوني تلك لكي يراقبك الله عليها؟ أو لكي ينزل إليها ويموت على الصليب من أجل خطاياك كما في العقيدة المسيحية، هل هذا هو الإله الذي نتحدث عنه؟ قُل لي مَن هو إلهك أَقُل لَكَ مَن أنت.

2- عن الدين

هل الإيمان بالدين يجعلنا سعداء؟ أم أن الدين سمم كُل شيء؟ وفي ضوء الإجابة على تساؤلات مثل تلك، يجب علينا أن نفسر ظهور الأديان في سياقها التاريخي ونحلل التاريخ ديالكتيكًا، فظروف نشأة الإسلام وطبيعته تختلف عن ظروف نشأة المسيحية وطبيعتها؛ نظرًا للظرف التاريخي والظرف المكاني أيضًا، وكذلك اليهودية من قبلهم، ولكن على اختلاف الظروف التاريخية فإن الجميع هنا يتشارك نفس الهدف والغاية والمعنى الواحد، «عِش صالحًا، اعبد الله، وستدخل الجنة»، والعكس صحيح أيضًا إذا عِشت حياة سيئة ولم تعبد الله فسوف يحق عليك العذاب في الجحيم، ولكن يجب علينا أن نسأل أنفسنا سؤالًا هنا، ماذا لو لم أكن أعبد الإله الصحيح؟ أو ماذا لو كنت على الدين الخاطئ؟ فكيف سأعرف أنني على صواب على الإطلاق؟ فأنا نشأت في أسرة متدينة بالدين الفلاني وتربيت على أن كتابي هو الكتاب المقدس وهو الكتاب الصحيح الوحيد، فهل هذا يجعلني أعبد الإله الصحيح أو يجعلني على صواب على الإطلاق؟ وإن كُنت مُحقًّا فماذا عن هؤلاء الذين يبعدون عني أميالًا وأميالًا، أليسوا يعتقدون مثل ما أعتقد أنا وأنهم هم فقط الذين على صواب وأن كتابهم المقدس هو الكتاب الوحيد الصحيح لنفس الأسباب التي أمتلكها أنا، فهل الإيمان بالله والدين هو محض لعبة حظ أو صدفة مكانية ترجع للعوامل الجغرافية؟ فإن عشت في الهند ففي الأرجح سوف أتبع الديانة الهندوسية وسأومن بالكارما وتناسخ الأرواح، لطالما داعبت هذه الأسئلة ذهني الصغير، ولا تكذب على نفسك فأنا أعلم أنها راوغتك أنت أيضًا، مُذهِلَةٌ هي عقولنا المتشككة عندما كنا صغارًا، قبل أن نُلَقن كُل شيء وتتلاشى قدرتنا على التشكك شيئًا فشيئًا، ولكن دعنا نعود إلى القضية الرئيسية هنا، وهي هل جعل الدين من العالم مكانًا أفضل؟ مما لا شك فيه أن الدين بفرضه منظومة الثواب والعقاب وتصدره للقواعد الأخلاقية، قد جعل من العالم مكانًا أفضل عن طريق كبح جماحنا ورغباتنا، فأنا أعلم أنني إذا قمت بالسرقة أو القتل فإنني سوف أعاقب، وسوف أذهب للجحيم لكي أنال ما أستحق. ولكن هنالك جدالًا مناقضًا لتلك النقطة ألا وهو، أنه يجب أن يكون الدافع وراء فعلنا للأشياء الخَيِّرة وتجنبنا الأفعال الشريرة ليس الدين وإنما أنفسنا نحن، فهل لو قمنا بإلغاء الأديان ستذهب لكي تقتل جارك المزعج أو رئيسك في العمل؟ ولذلك فإن كان الدافع وراء كوننا طيبين هو مجرد الخوف من الدين فنحن قومٌ مأسوف علينا.

3- عن العلم

أداتنا للتقارب وفهم الطبيعة والكون من حولنا، ومن فهم حركة الكواكب على المقاييس الكبيرة إلى الجسيمات الدون ذرية على المقاييس متناهية الصغر، واضع الإجابة على أسئلة مثل، أين نحن؟ ما هو موقعنا في الكون؟ لماذا تتحرك الأشياء؟ ولماذا تسقط؟ وكثير من الأسئلة التي فسرها العلم لنا بسهولة، ففي الـ 100 عام الأخيرة عرفنا الكثير عن أنفسنا، وعن هذا الكون، وفتحنا آفاقًا جديدة لم نكن نحلم حتى بها.

غزونا الفضاء، وضعنا رجلًا على القمر، دخلنا عالم الكم، فهمنا نسيج الكون. فسرنا تنوع الحياة، وأقول نحن لأن العلم قربني إلى أقراني من البشر، وألهمني الترابط معهم ومع الكون من حولنا عن طريق حقيقة بسيطة ألا وهي أن كل شيء محيط بنا من مادة ما هو إلا مجموعة ذرات تترابط بعضها ببعض، ومن تلك الوحدة نشأ كل شيء وتلك من أكثر الأشياء شاعرية التي نجدها في العلم، ولن يطول الأمر حتى نجد العلم يحل تساؤلات اهتم وتفرد بها الفلاسفة مثل منشأ الأخلاق، والغاية من الوجود في إطار علمي تجريبي، فالمثير للمتعة في العلم هو ميله الدائم وسعيه إلى المعرفة والشك في كل الأشياء حتى نفسه، فتظل تشك في النظرية مرارًا وتكرارًا إلى أن تجد مشكلة في المشاهدات أو النتائج، ثم تعود إلى الرياضيات لتفسر أين يوجد الخطأ، ثم تصوبه وتنتقل إلى نظرية أخرى تصحح سابقتها وتبدأ من حيث انتهت، وتشك فيها هي الأخرى، مدهش أليس كذلك؟ حسنًا هذا هو العلم، وتلك هي الطريقة التي يعمل من خلالها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الله
عرض التعليقات
تحميل المزيد