سواء كنت من المؤمنين بأن الله ميزنا بالعقل عن سائر المخلوقات، أم كنت من المؤيدين لنظرية التطور وأن هذا العقل ما هو إلا تطور لقدرات سمكة عاشت من ملايين السنين، ففي الحالتين أنت متيقن أن الإنسان كائن مفكر واستطاع بعقله أن يصل لما لم يصل إليه غيره من الكائنات، وذلك يدل أن العقل ميزة ولكن في ذات الوقت فإن العقل هو المسئول عن العديد من المصائب في الدنيا، لا أتحدث فقط عن الكوارث العامة أو الكبيرة مثل الحروب أو استخدام القنبلة النووية على سبيل المثال، ولكني أتحدث عن المشاكل الضخمة التي يتسبب بها عقلنا، أتحدث هنا عن القرارات الخاطئة والندم عليها، أتحدث عن التشاؤم، أتحدث عن كل ما يفعله العقل بنا.

اتحدث هنا عن العقل الذي يفكر فيما لا يستطيع استيعابه «فقدرات الإنسان محدودة»، ولكن الإنسان لا يعلم أين هي هذه الحدود، فيحاول أن يفهم كل ما يقابله إلى أن يفاجأ بأنه بدا بتجاوز حدود عقله فيجب عليه حينها الاختيار ويختلف هنا كل شخص عن الآخر، فهناك من ينسحب فورًا و أعلن استسلامه، ويرجع لمعتقداته وأفكاره القديمة التي يفهمها جيدًا، أي أنه يرجع إلى منطقة الأمان خاصته ويقرر أنه من الخطأ التفكير أبعد من هذه الحدود.

وهناك من يشت عقله فيعلن الكفر بكل ما عرفه مسبقـًا طالما لم يستطع عقله أن يقتنع بشيء ما ولم يجد إجابة شافيه وواضحة لأسئلته، ولا يعلم هذا الشخص حينها ما إذا كان السبب هو قصور في عقله أم أنه من صعوبة ما يفكر به وعدم وضوحه.

وهناك من يقف في المنتصف وهم كثيرون لا يريدون التراجع لمنطقة راحتهم، ولا يريدون الهروب إلى مرحلة الإنكار لكل ما هو غير مفهوم، يريدون أن تستمر المعركة بين عقلهم وبين ما لا يستطيعون في الوقت الحاضر إدراكه إلى أن ينتصروا؛ فهم مؤمنون جدًّا بعقلهم، ولكنه لا يساعدهم فيكون وكأنه توقف عن العمل أو أصابه خللٌ ما.

في مثل هذه الحالات يصبح العقل كالماكينة التي تعمل دائمًا بدون توقف، ليس فقط ذا ولكنها ورغم كل هذا العمل لا تنتج شيئًا، فتصبح كما تقول الجملة العامية «بتلف على الفاضي».

مثل هؤلاء يعانون دائمًا والسبب بكل بساطة هو «التفكير» أو دعنا نقول إن السبب هو «التفكير بكثرة» فتجدهم دائمًا ما يعانون من الإرهاق أو الصداع وأحيانا الاكتئاب أو أي من الأمراض النفسية، بل يتطور الأمر مع البعض إلى أمراض جسدية ناتجة من التفكير الكثير لتصل في بعض الأحيان لمشاكل عضوية مستعصية كالجلطة أو الشلل.

في معظم هذه الحالات تجد نصيحة المقربين بل الأطباء أيضًا أنه يتوجب على الشخص أن يتوقف عن التفكير، يلقون بهذه النصيحة وكأن المفكر يمتلك زرًا سحريًا يستطيع أن يشغل به عقله أو يوقفه، في الحقيقة أنهم يريدون المساعدة، لكنهم لا يدركون صعوبة ما يقولون، فهنا حتى إن استطاع الشخص المفكر التوقف عن التفكير فيما يريد معرفته ويسعى إليه «وهي حالة نادرة الحدوث» فسيطارده دائمًا سؤال «هل كان هذا الهروب صح أم خطأ؟».

بعض الأشخاص يستطيعون أن يأخذوا فترة نقاهة من التفكير أو ما يمكن تسميته «هروب مؤقت» لكي يستطيعوا إنجاز شيء ما أو التركيز في مهمة محددة لفترة معينة من الزمن كاجتياز امتحان في حالة الطلبة أو الدارسين لكنهم يعلمون جيدًا أنه مجرد وضع مؤقت وأن هذا ليس حلًا وأنهم يرجعون آجلًا أو عاجلًا للتفكير في يوم ما ولا يعلمون حينها ماذا ستكون النتيجة.

وهنا يأتي السؤال: هل التفكير إذن نعمة أم نقمة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التفكير, العقل
عرض التعليقات
تحميل المزيد