السّؤال الذي يناقشْهُ هذا المَقَال هوَ سُؤالٌ حيّرَ الْعُقولَ منذُ بدايَةِ الأزْمِنَة، لذا فإنّ الحاجة لإيراد تقدِمَة لإثبات وجودِ هذا التّساؤُل تبدو ضعيفَة للْغَاية لبديهيّته. رغمَ ذلكَ يُذْكَر أنَّ وُجود هذا التّساؤُل وطرحُهُ هامٌّ جدًّا، لأنّ البحث عن الْخالِق هوَ شكْل من أشكالِ التّسامِي الإنسانيّ، عنِ الطّبيعة المادّيّة الزمَانِيّة. هذا الطّرح ضروريّ في العصرِ الحاليّ، وعلى كثرةِ الأجوبة والنقاشات في هذا السّؤال، تَتّجِهُ المقالة إلى الموروث الفلسفيّ الشّرْقِيّ الإسلاميّ، انْطلَاقًا من ضرورَةِ خَلْقِ انبعاثٍ حضاريّ في حيّزنا الثّقافيّ العربيّ لهُ أصالته؛ لذا يتّجِهُ المقال لِكشف الإجابة التي تقدّمها مدرسة الفلسفة المتعالِيَة التي ظهرتْ في أصفهان في مطلع القرن السّادس عشر الميلادِيّ، وقدّمها الفيلسوف المؤسّس لهذه المدرسة صدر الدّين الشيرازيّ «ملّا صَدْرا» (انظر كمال محمّد، Mulla Sadra’s transcendent philosophy، ص26). التّوجّه لهذه المدرسة يتمّ لأنّها تشكّل خلاصَةَ روافد قبل إسلاميّة وإسلاميّة معًا – بدءًا بالرّؤية الزرادشتيّة، ثمّ الفلسفة اليونانيّة، انتقالًا للقُرْآن والعِرْفان (أو التجربة الكشفيّة).

المرحلة الأولى للإجابة على سؤال المقالة هِيَ في إيضاح مكانة الخالِق مقابل المَخْلوقات، إذْ نرى الشّيرازيّ يضعُ الله كوَاجِب للوُجود، بهِ توجَدْ الماهيّات (كلّ ما له ماهيّة أو تعريف)، مقابل جميع الأشياء. المثير هنا أنّه يتطرّق لما نُقِلَ عن الأقدمين في فكرة وجود الخَلاء قبل العالَم، وهوَ ما يُمكن إيجاد ما يُقابله في النّصوص الدّينيّة القديمة البابليّة، مثلًا بداية اللوح «إينوما إيليش»، أو حينما في الأعالي تقول: «عندما في الأعلى لم يكن هناك سماء وعندما في الأسفل لم يكن هناكَ أرض» (السّواح، مغامرة العقل الأولى، ص56)؛ تدلّ على مثل هذا الخلاء والأمثلة كثيرة في النّصوص القديمة. لماذا يذكر الشيرازيّ الخلاء؟ وما المرادُ منهُ في فلسفتِهِ؟

يفسّر الشيرازيّ الخلاء في الذّهنيّة الإنسانيّة القديمة بأنّه «الهيولى الأولى» والهيولى هيَ صورة المادّة بالإصطلاح اليونانيّ، فيدعوها بأظلم الذوات «وكونها فضاء وخلاء؛ كناية عن خلوها بحسب فطرتها عن جميع الصور والمقادير. وكونها غير متناه؛ إشارة إلى قوة قبولها صورًا وهيئات غير متناه فائضة عليها من واهبها الأعلى.» (الشّيرازي، المبدأ والمعاد، ص115). إذًا فالهيولى هيَ أساس الخَلْق ذي الصّورة، أوجِدَتْ بالقوّة، دونَ أن تستطيع الكَيان من تلقاء ذاتها، وهيَ أظلَم الذّوات من قبيل كونها أشدّها مادّيّة. لماذا يوضِحُ المقال ذلكَ؟ الإجابة هيَ؛ لأنّ ما وردَ عن الهيولى يفيد في إيضاح طبيعة الإنسان التي لها جزء ماديّ هيولاني، وجزء روحانيّ، كما سيُبَيَّن.

بعدَ تطرّقه لفكرة الخلاء، يأتي الشّيرازيّ بحكاية «الخليل» أو النّبي إبراهيم، وهوَ الذي عرَفَ الله بنفسِهِ حسب النّصّ القرآني (سورة الأنعام، الآيات 77 و78). يفسّر الشّيرازيّ طريقة «الخليل» في معرفة الله بأنّهُ «رأى ظهور الحركات في الفلكيات وانفعال العنصريات عن تغيرات الكرات العالية وانتقالاتها وتفاوت تلك الأجرام عظمًا وشرفا ونوريّة فتحدسَ أن مبدعها ومنورها ومحركها على سبيل التشويق والإمداد ليس بجسم ولا بجسماني» (الشّيرازيّ، المبدأ والمعاد، ص115-116). يخلُص الشّيرازيّ إلى أنّ النّبي إبراهيم عرَفَ الخالِق عن طريق حركة الأفلاك، وبذلكَ كانَ أوّل الحُنَفاء. لماذا تقدّم المقالة قصّة النّبيّ إبراهيم كمرحلة ثانيَة؟ الإجابة هيَ: لأنّهُ مِثَال لإنسان عرَف الله وحدَهُ، ولهذا السّبب يقدّمْهُ الشّيرازيّ بعد حديثِهِ عن الخلاء والهيولى، كمن استدَلّ على الله عن طريق مكوّن فلسفيّ هامّ «الحرَكَة».

كيفَ ترتبط الحركة بالهيولى بالخالِق؟ يقومُ الشّيرازيّ بهذا الرّبط في رسالة الحدوث والقِدَم، إذ يضعُ «البارئ الأوّل» في طرف و»الهيولى الأولى» التي جعلها تكون بالقوّة في الطّرف الآخر، وهذه الهيولى هي التي تعطي الأجسام قابليّة الحركة بينما هذه الأجسام لها صورة جوهريّة من طبيعتها (بالفِعل) فيكون كلّ شيء سوى «البارئ الأوّل» كثير وليسَ بسيطًا (معنى الكثير أنّهُ مرَكّب). ينْتُجْ أنَّ الخالق بسيط الحقيقة لا كثرَةَ فيهِ، وهوَ كلّ الأشياء بالفِعْل (رسالة الحدوث والقدم ص43 و44). الوُصول لتعريف الله بكونِهِ بسيط الحقيقة هوَ المرحلة الثّالثة في الإجابة.

بعدَ تحديد تعريف للخالِق يُحلِّل الشّيرازي المنظومة الوجوديّة كالآتي: للوجود طرفين- «البارئ الأوّل» وَ»الهيولى الأولى»، الكائنة بالقوّة، لذلكَ كلّ جسم يتألّف من هيولى تعطيهِ قابلية الحركة وصورة جسمانيّة هيَ جوهر بالفِعل ما يجعَل كلّ شيء سوى ال»بارئ الأوّل» كَثِير، وفي ذلكَ دلالة على كونِهِ بسيط الحقيقة عند الشّيرازيّ وكلّ الأشياء بالفعل من جهة كمالاتها لا أعدامها (الحكمة العرشيّة، الهامش السّادس ص47). يتبعُ كون الله كلّ الأشياء كونُهُ محيط بها جميعًا، لإفاضة الله إيّاها، فهو الأكمل الواجب الوجود، ومعلولاته ناقصة من قبيل كونها معلولات وموجَدّات منه (الشيرازي، كتاب المشاعر، ص99). تحديد إحاطة الله بكلّ شيء هيَ المرحلة الرّابعة في الإجابة.

بعدَ تحليل مكانة الخالِق في المنظومة الوجودِيّة يُطرَح سؤال المقالة:كيفَ لا يرى الإنسان الإله القريب منه في كل وقت بحكمِ وجودِهِ وكون الله واجب الوجود؟

الإجابة عند الشيرازي هيَ: إنّ العقل الإنساني يكتنه الماهيّات ويتصورها بحقائقها، مثلًا يرى البشر ويفهم منهم الإنسانيّة، أو الحيوانات ويفهم فكرة الحيوانيّة، أو الأجرام فيفهم فكرة الفلَك وغيرها؛ أيْ ينتزِعُ العقل البشريّ صورة عامّة للأشياء ويفهمها بناءً على هذه الأطر. في المقابل الخالق الذي هوَ واجب الوجود، أقصى ما يمكن للعقل فهمه منه هو «الموجودية المصدريّة «إذ يمتنع ارتسام الحقيقة الواجبة في الأذهان عالية كانت أو سافلة، بل جميع القوى الإدراكية عقلية، كانت أو حسية في مرتبة واحدة بالقياس إلى نيل الجناب الربوبي» (المبدأ والمعاد، ص132).

بعد عجز القوى الإدراكيّة، يزيد الشّيرازيّ بأنّ عجزنا عن إدراك الخالق لا يمنع كونه ظاهرًا، قائلًا: إنّ كل ما كان وجوده في نفسه أتمّ فمعقوله في الذهن أتمّ، فالأشياء يفهمها العقل ويستوعبها بأنفسها لا «بظلالها»، وعلى ذلكَ يضرب مثالًا الدائرة والمربع والعدد التي تعدّ في ذاتها فكرة كاملة الوجود. في المقابل يأتي بمثال الحركة والزمان والهيولي التي نعقلها بشكل ناقص، وذلك لأنها ناقصة الوجود. يُلْحَظُ أنّ الشيرازي يدّعي بأنّ كلّ ما كان الشيء أتمّ وجودًا كانَ أظهر. كيفَ إذًا لا يسع الإنسان رؤية الخالق؟ يجيب الشيرازيّ هنا بأنّ أكمل المعقولات التي نراها هوَ النّور، فهوَ يشبه الحدّ الفاصل بين العالم الرّوحاني وعالم المادّة، ويقرّ بأنّ الخالق «يجب أن يكون المعقول منه على نهاية الكمال»، وإذ إنّنا لا نراه، «ينبغي لنا أن نعلم أن هذا ليس من جهته إذ هو في ذاته على الكمال الأقصى» لكن لجانبنا الماديّ، وكون الإنسان موجودًا، ولكن فيه أعدام كثيرة يصعب عليه تعقّل الإله «فإن إفراط كماله وشدة نوريته يبهرها فلا تقوى على إدراكه على التمام، وإن كنا نعقل سائر الأشياء بإفاضته وإشراقه». يأتي بعدها مثال النور بأنّه أول المبصرات وأكملها وأظهرها وبه تصير المبصرات التي هيَ مبصرة بالقوّة مبصرة بالفعل (المبدأ والمعاد، ص136)؛ وقد ثبتَ بالفعل في عصرنا الحاليّ بأنّ عملية الرؤية ترتبط بالنّور. ولا يُستَغرَب بعدَ إذٍ إنّ صدر الدّين الشّيرازيّ دعى الله في تفسيره لآية النّور بأنّهُ ظاهر بذاته مظهر لغيرِهِ مطلَقًا (الشيرازي تفسير آية النّور، مصدر إلكترونيّ).

ممّا ورد يتضح أن الله مظهر لغيره من خلال مفهوم الوجود كالنور، وهوَ معروف لنا من خلال مفهوم الوجود نفسه؛ فنحن نعرف أنّ الأشياء موجودة وأنه واجب الوجود، ولكنّنا لا نعرف فحوى الوجود ذاته، إذ أنّهُ ليسَ ماهيّة يمكن أن يوجد تعريف لها، ولا ندرك كيفَ يقوم واجب الوجود بعمليّة الإيجاد. بناءًا على ما ورد، الوجود يشبه النّور، إنه مظهِر للأشياء، لكن المفهوم أعلى مرتبة وهوَ فيض الله المباشِر على الموجودات، وبذلكَ يكون أقرب لإنسان من كل الأشياء «لتناهيها وعدم تناهيه كما أشار إليه… ونحن أقرب إليه من حبل الوريد» (ص137). كاستنتاج يصرّح الشيرازيّ بأنّ الله يحتجب بشدّة ظهوره، وأنّ الحكماء المتألهين العارفين به يشاهدونه «لا بالكنه» وإنما يشهدونَ كونه بسيط الحقيقة أي غير كثير وواجب للوُجود (المبدأ والمعاد، ص138 و139).

ينتُج ممّا وردَ من موجَزٍ بسيط لرؤية الفيلسوف صدر الدّين الشّيرازيّ للإله، وإجابته عن السّؤال حولَ قدرة البشر على رؤيَتِهِ، أنّ الإله ظاهر في كلّ شيء بما هوَ موجود، وأنّ الإنسان على عجزِهِ، لكونِهِ الحدّ الفاصل كونيًّا في المنظومة الفلسفيّة بينَ عالَم الجواهر العاليَة الرّوحانيّة وعالم المادّيّات (الهيولاني) قادر بتدريب نفسه، على الوصول لإدراك الخالِق وشهود إحاطته بالأشياء، وإنْ كانَ فلسفيًّا، بنظر ملّا صدرا يعجز عن شهود كنهه. ما أهمّيّة هذه الإجابة؟ ليست هذه المقالة دعوة للخروج عن الماديّات إنّما هيَ تفتح المجال لتساؤُل أخلاقيّ، إلى أيّ مدى على الإنسان الحديث أن يتعجّل في الإستغناء عن الإله فقط لمجرّد عجزه عن إدراك كنهه؟ هذه المقالة هيَ أيضًا أمل، للإنسان العارِف، السّاعي دومًا إلى الحقيقة بحكم طبيعته العاليَة، أن يعرفَ نفسه. وأخيرًا هيَ تذكرة لتفحّص موروثنا الفلسفيّ الغنيّ، الذي ينتظرُ من يستكنهُهُ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد