من التدليس أن نخبر الناس بنصف الحقيقة ونغفل النصف الآخر، وشر تدليس هو ذاك الذي نفعله في جنب الله حين نخبر الناس بشيء من صفاته سبحانه ولا نذكر البتة الصفات الأخرى،أخبروا الناس بصفات الله كاملة وبأفعاله سبحانه كلها.

الله حين كلفنا بالإنباء عنه أوضح لنا أهمية التوازن والشمول في هذا الإنباء حتى لا نهتم بجانب ونهمل الآخر «نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم،وأن عذابي هو العذاب الأليم». لأننا إن أخبرنا الناس برحمة الله فقط لن يخافوه ولو أخبرناهم بعذابه فقط ما رجوه.

الله رحيم ولطيف وحنّان ومنّان وأيضًا سبحانه هو منتقم شديد العقاب ذو الطول شديد البطش. الله الذي نعرفه هو من يهلك الظالمين والجبارين،ولكنا لا نعرف الله الذي لا ينصر إلا من نصره وطبق أوامره، فنقع في وحل الانتظار بدلا من أن نؤدي عبادة التدافع ونأخذ بأسبابها.

الله الذي نعرفه هو من يبتلي الصالحين ليرفع درجاتهم،ولكنا لا نعرف الله الذي يبتلي عباده ليرجعوا إليه بعد أن شردوا وان لم يرجعوا أهلكهم، فنظن واهمين أن كل ضيق أو محنة هي هدية ومكافأة لصلاحنا ولا نفكر للحظة أنها يمكن أن تكون إنذارًا للمراجعة والتصويب.

الله الذي نعرفه هو من يحب الراحمين والمتصدقين والطيبين، ولكنا لا نعرف الله الذي يكره الفاحش البذيء المغتاب النمام الكذاب، فتهون المعاصي في أعيننا ونألفها ونحن مطمئنون لأن ثمة بعض الصالحات نفعلها ونواظب عليها.

لماذا يُصر بعضنا على التعامل مع الله وفقًا لهواه ومصلحته وليس وفقا للصورة الكاملة التي أخبرنا الله بها عن ذاته العليا سبحانه؟!

نحن نعرف الله من خلال ما أخبرنا به في قرآنه وما أخبرنا به نبيه صلى الله عليه وسلم في أحاديثه،نعرف الله من خلال دراستنا للتاريخ وتتبعنا لسننه في الكون والخلق، وليس من العقل في شيء أن نغمض أعيننا عن بعض الحقيقة لأن أهواءنا لا تتقبلها،بل البطولة أن تأتي أفعالنا مواكبةً للحقيقة الكاملة التي ندركها.

في فن الدعوة وتأليف القلوب وفقًا لاستراتيجيات التدرج والتحدث بما يناسب حال المستمع وتحبيب الله إلى خلقه، وفقًا لهذا كله يمكن أن نخبر العاصي اليائس برحمة الله وعفوه فقط حتى يرجع ويتوب،وأن نخبر الظالم المتجبر بقوة الله وعظمته فقط حتى يتراجع عن بغيه، ونخبر المظلوم بعدل الله وانتقامه من الظالمين حتى لا ييأس، لكن تظل هذه حالات مؤقتة لا يمكن اعتمادها كوضع طبيعي وأساسي في تعريفنا للناس بربهم فنكون عرّفنا الناس ببعض صفات الله وأغفلنا عنهم بعض صفاته الأخرى، وهذا جُرم ولا شك!

المعرفة المتكاملة عن كل صفات الله وأسمائه – كما أرادنا سبحانه أن نعرفه – هي أهم خطوات إعادة هيكلة المعرفة داخل عقل المسلم،فكما أن كل مسلم يدرك أن الله بيده كل شيء في هذا الكون يجب على المسلم أن يعرف عن الله المعرفة التي تجعله قوي الإيمان راسخ اليقين يفهم طرفًا من حكمة الله في إدارة هذا الكون ويدرك صفات الله إدراكًا يعصمه من الانحراف.

هذه المعرفة المتكاملة عن صفات الله لا تؤثر فقط على فهمنا وتفسيرنا لما يجري حولنا،بل إنها تعيد صياغة علاقتنا التعبدية لله وتجعلها أكثر حيويةً وخشوعًا وإخلاصًا،يتجلى ذلك في الصلاة بالخصوص وفي باقي الشعائر والتعاملات الأخلاقية على وجه العموم.

حين نعرف الله كما ينبغي سنجد أنه لا تضارب ولا تناقض بين أن نحبه ونرجوه وبين أن نخافه ونتقيه،.حين نعرف الله سنفهم رسائله إلينا المتدثرة برداء الابتلاء بالنعماء مرة وبالضراء مرة، وفي الوقت الذي نفهم فيه رسائل الله إلينا سنحبه أكثر وستغمر قلوبنا السعادة التي نبحث عنها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد