هل تعلم عزيزي أنك حيوان؟! مهلًا، لا أقصد إهانتك، لكنك بالفعل حيوان.. حيوانٌ وضيعٌ فانٍ. أعلم أن الحقيقة مؤلمة أحيانًا، لكن يجب الاعتراف بها دائمًا، فكما يقول أفلاطون:

يجب أن تذهب إلى الحقيقة بكل روحك 

مبدئيًا يجب أن تعلم أن هذه الأرض لم تنجب أذكى منك، لكن كون حبة بازلاء أكثر خضارًا من الباقي لا يعني أنها أكثر من حبة بازلاء، ستوضع داخل طبق الخضار وتدفن بين أسنانك، لتتحول إلى فضلات وبعض الطاقة والبروتين، لن تلحظ أنها كانت أكثر خضارًا، ولن تلحظ أنها كانت مميزة. وكانت نظرة سبينوزا عن هذا العالم – أنه الإله وأن الإله هو العالم – سليمة، لكنا كتلك الحبة، فاقدين الميزة، نموت من أجل أن نتحول إلى صورة أخرى في نسيج الإله.

عقلك عظيم، لكنه ليس بالمميز جدًا، مثلًا يحتل عقلك المرتبة الرابعة عشر من حيث الكبر حجمًا خلف نوعين من الأفيلة وأحد عشرة نوع من الحيتان، ولا يختلف عن الرئيسيات إلا في القليل من الجينات، ولا يجعله ذكيًا سوى زيادة بعض جينات في القشرة المخية الحديثة لديك.

لا أريد أن أُنحى منحًا فلسفيًا في هذا المقال كثيرًا، لكن كي أُسقط غرور الإنسان يجب أن أنحي إليه، كل ما سأطلبه منك ألا تفكر كما تفكر الزيتونة الخضراء في نموذج أناتول فرانس، أو كالقبيلة في نموذج نيتشه، لكن انظر معي من خلف غطاء الحكمة والحياد. منذ نشوء الإنسان وهو ينظر إلى نفسه أنه إنسان والباقي من فئة الحيوان لكونه أذكى منهم وأكثر منهم كفاءة، كان هذا الاعتقاد مثل اعتقاد اليهود أنهم شعب الله المختار، غبي ومقزز، لكنه معقول بالنسبة للبشر أيضًا، فهم الأذكى؛ لذا احتال ذكاؤهم هذا جحيمًا عقليًا، تساءل عن سبب وجوده وجدواه وسبب سعية خلف لذات منهية وفانية مثل بقية الحيوانات، تساءل عن عم يختلف عن الحيوان؟! أعطى لنفسه قيمة واضحة بأديان خلقها عقله تشعره بجدوى حياته؛ تطورت الأديان في عقله إلى أكثر حد معقول من طبيعة إلى أصنام وفي النهاية إلى ما سماه بأديان اللادراية ثم الأديان السماوية، كانت تأويلاته تشعره بالفرح، ها قد قدر أن يقنع نفسه أن له قيمة وأنه متميز عن باقي الوجود وأن وجوده قيّم، وأنه سيصل لسعادة دائمة – عوضًا عن تلك اللحظيات – في جنة سينالها نتاج أعماله الخيرة العظيمة في نفس الدنيا الزائلة، أنه جنس الله المختار! لذا أطلب منك أن تترك دينك خارج هذا المقال كما تترك ملزمتك التي تراجع منها قبل دخولك للجنة الامتحان، حتى لا يُفضي حديثي إليك للاشيء.

كنت أتحدث مع زميل لي في مرة من المرات عن نظرية التطور فكنت أشرح له الانتخاب الطبيعي وكيفية التطور ومعناه من الأصل – الذي كان يتعارض مع معتقداته بالطبع – فقال لي :هل تعني أنه يمكن أن يتطور جنس آخر ويصبح أذكى منا ثم يحكم العالم مكاننا؟! كان يقولها بلكنة ساخرة من فكرة أن أجداده كانوا نفس أجداد القرود، فقلت بتلقائية: لا، نحن أرقى الحيوانات والناتجون عنا سيكونون الأرقى. وعندما انتهى النقاش بتكفيري كالمعتاد ارتكنت وجلست أتذكر هذا الحوار عديم الفائدة وفاقد الجدوى، حينها شعرت بنغصة في صدري من ردي السابق، فعليًا نحن مهددون بالانقراض مع التطور الحضاري وتفضيل الحياة من دون أطفال وزيادة نسبة العقم واستخدام الواقيات الذكرية وحبوب منع الحمل والحروب التي تطرق أبوبنا كل عشر سنوات، فحتى مع زيادتنا المستمرة في العدد إلا أن كل عام تقل الزيادة، واعتقد أنه لن يمر سوى بضع قرون حتى نرى أعدادنا تقل كل يوم عن سابقه، “ستحكم الحيتان العالم” كانت هذه أول فكرة راودتني، سيفتح الحوت المتطور  – بعد ملايين السنين – الصفحة الأولى في الجريدة ليرى أن العالِم الحوت الشهير قد اكتشف حفرية لحيوان هوموسيبين نادر حكم العالم في يوم من الأيام – هذا إن لم يدمر البشر العالم قبل هذا اليوم – أضحكتني الفكرة، إلا أنها في الحقيقة كوميديا سوداء، نحن مجرد حيوانات ستنقرض مثل سالفاتها.

كل الحيوانات تملك أمخاخ تخوِل لهم الحياة، بل إن أمخاخهم تلك أكثر قدرة في العديد من المناطق من مخ الإنسان، فعلى سبيل المثال يفشل مخك عن وصوله للنقطة العمياء من العين، ويسهل التلاعب في ذاكرته طويلة المدى وقصيرته، ويكون تحكمه في أجزاء الجسم أثناء النوم أضعف من العديد من الحيوانات، هو أكثر العقول تعرضًا للأمراض العقلية والنفسية والجلطات، فعلى الرغم من ذكائه – الناتج عن سهولة اتصال القشرة المخية بالذاكرة وبالحواس المختلفة – إلا أن المخ البشري لديه طريق طويل في التطور سيسلكه آجلًا.

مسمى العقل ه ومسمى عنصري أناني وغبي؛ فلست الحيوان الوحيد الذي يفكر في هذا العالم، فعليًا ميزة التفكير ليست لك وحدك، هناك حيوانات مدربة تعدت مستويات ذكاء بعض الزنوج، كل الحيوانات في هذا العالم تفكر. أولًا ما معنى التفكير؟ التفكير هو عملية مكتسبة من الخبرات والذاكرة تعني القدرة على تفسير الأمور المحيطة وربط المواقف ببعضها البعض؛ فالتصرف حسب تشابه المواقف وتكرارها، أو حسب المعلومات المخزنة في الذاكرة، أو المرئيات والمحسوسات والملموسات، أي باختصار، القدرة على التعلم. وإن لم تلحظ فهذا ينطبق على جميع الحيوانات بدرجات مختلفة؛ فطفل النسر عندما يُطلق، يطير كما شاهد أمه من قبله، وتهرب السمكة من فكي القرش لأنها رأت سمكة من قبل اختفت بينهما، وغير ذلك العديد من الإثباتات على كون الحيوان لا يختلف عنك إلا في مستوى القدرة. من الغريب أني أقول هذا الكلام -على الأغلب – لشخص يؤمن بأساطير سليمان وأنه – سليمان – كان يفهم لغة الحيوان، ومازال ينكر ما أقول ويزعم أن إلهه كرمه بالقدرة على التفكير!

لم البشر؟

قد تلجأ إلى سفسطائيتك المعتادة كمتدين لتسأل: لم البشر أذكى إذًا؟! ألا يعني هذا شيئًا؟ فتجد تعبير البلاهة على وجهي، البشر لأنهم البشر! نحن من تطورنا، لا يصعب تخيل الأمر! كانت مجرد صدفة في هذا الكون العبثي أن تُخلق بشري أذكى من بقية الحيوانات. فأسمع استهزاءاتك من مصطلح صدفة، وتسخر من كوني مؤمن بفرع من أهم فروع الفلسفة الحديثة! تزعم أن لكل شيء سبب، وأن لا  شيء اسمه صدفة، لكنك لا تطبق ذلك على ما في صالحك من معتقدات تتوارثها، فكونك مازلت لا تعلم عبثية الكون – كما يقول ألبير كامو – فهذه ليست مشكلتي!

الاعتقادات الراسخة هي أعداء الحقيقة، وهي أكثر خطرًا من الأكاذيب

-فريدريك نيتشه

على موقع جودريدز في أحد المراجعات لكتاب المياه كلها بلون الغرق للفيلسوف القدير سيوارن تقول كاتبته – التي أعطت كتاب من أعظم من كتبه سيوارن العظيم نجمتين من أصل خمس -:

هذا الكتاب يشعرك أنك مجرد صخرة تحركها ريح الحياة، فحمدًا لله على نعمة الإسلام. 

عندها فقط أدركت أن الدين الذي يزعمونه ما هو إلا محاولة لإعطاء قيمة لشخصك لكي تشعر أنك أكثر من مجرد حيوان، كي تشعر أنك المختار! لعل ذكاءك أزاد غرورك فرأيت العاجز عنك والأضعف منك أقل مكانة منك، استنكرت أكل الأسد للغزال وأنت تأكل شتى الحيوانات الأخرى، عارضت مبادئك عن الحقوق واحتجزت الحيوانات في أقفاص لتلعب ألعاب تسليك، واستنكرت العبودية. اخترعت تأويلات تعطيك قيمة أعلى من بقية الحيوانات تحت مسمى إله كرمك وأعلاك، جسمك مليء بالعيوب وأنت لا ترى إلا حسانتك وترفض أن تعترف أنك مجرد حيوان ستموت عاجلًا أم آجلًا لتحتال إلى فضلات ديدان، كل ما تفعله في حياتك تلك منتهٍ، معدوم القيمة، أنت شخصيًا عديم القيمة، مثلي، هذا المقال عديم القيمة، الجهد الذي أبذله هنا عديمتها أيضًا، قراءتك لهذا المقال تافهة كذلك، فعليًا لا يوجد شيء يُهم! 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد