كنت وأنا أعيش في الخليج أعاني من الكثير من المتاعب بدون أي خطأ قد صنعته يداي، وكنت ألاحظ أن كل ما أعاني منه جلبه معي النسر فوق جواز السفر الأخضر خاصتي، ولكن بعد مرور السنوات أدركت ما يسمى شعب الله المختار، لم يكن في الحقيقي ذاك الشعب هو الشعب الإسرائيلي بعينه، ولكن هو شعب يشبههم، كما الشبه بين العربية والعبرية.

ان كانت ذاكرتك الرياضة جيدة، ستتذكر جيدًا كيف نشأت بعض المباريات الرياضية لكي تسعى نتيجتها لفوز فريق كرة قدم وفوز الجماهير المختلفين بالسلام، كان الجمهور الجزائري والجمهور المصري يعدون عدتهم لكي يقاتل كل منهما الآخر في عام 2010، غير ما حدث من التحكيم الإفريقي والقصة المعروفة وقتها! وكانت الكراهية التي تسود المشهد طوال ذلك الوقت ليس لها سبب واضح، ونشأت نتيجة ذلك نظريات مصرية تشكك في عروبة الجزائر ونشأت نظريات تشكك في عراقة مصر، وحتى فترة قريبة كانت العلاقات بين البلدين غير مستقرة على مستوى الشعبين نتيجة مبارة مدتها ساعتان فقط!

كذلك عاقب بعض مستخدمي موقع تويتر عبر التغريدات الثورة المصرية، وفي كل ذكرى تجد من يقول إن مصر شاعت فيها الفوضى لأنهم اعترضوا على ولي الامر، وغالبًا يرى أن قرار المصريين بالإطاحة برئيسهم قرار خاطئ، وكانت العراق وسوريا طوال الوقت مثالين حيين لكي تخمد نيران أي شعب تقريبًا في المنطقة العربية، دون أن أحدد اي منطقة في المنطقة، كلنا يعلم أي شعب تخمد ثورته بالمتلجم.

وإن كنت مصريًا مثلي منصفًا، سترى أننا نرى العراقيين بصورة سيئة، والشهادة لله نرى الخليجيين بصورة سيئة أيضًا، أما إذا كنت مصريًا عميلًا مثلي فأنت سترى أننا لا نجد في الخريطة أشخاصًا سوانا، وقصدي بأننا أي الغالبية من بيننا الذين يشكلون نسبة كبيرة من مجتمعنا.

وإن كنت القارئ العربي الذي أتمناه، وكنت مثلًا تونسيًا ستتذكر الصحافة التونسية التي نشرت كيف كان بن علي حاميًا للإسلام الوسطي، وإن كنت مثلًا سعوديًا فأنت تعلم جيدًا سبة يا مصري يا طعمية، أما إن كنت سودانيًا من الشمال فأنت تعلم ماذا يروج عن الجنوب، وإن كنت جنوبيًا تعلم ما يقال عن الشمال، وهنا يجب أن نقف ونسأل: «هل ما ورثناه واعتقدناه طوال سنواتنا حقيقة أم هو مسكن لفشلنا؟!».

يجب أن نسأل لماذا لا يكون الموروث الشعبي كما الواقع والأرقام والإحصائيات، إن كان الطفل المصري أذكى طفل في العالم إذن أين الشاب المصري؟! إن كانت أي دولة عربية هي دولة رائدة في أي شيء، إذن لماذا يوجد لدينا بطالة في كل البلاد بتلك النسبة؟! إن كانت مثلًا السعودية دولة رخاء اقتصادي، هل تغير سعر البترول قد يزلزل استقرارها لهذه الدرجة؟! علينا أن نعيد التفكير في بعض ما نسمعه ونقرأه وقد ورثناه من الذين قبلنا أو حملناه أمانة من وسائل إعلامنا.

باختصار شديد إن العرب في حالة من محو عروبتهم، نحن نتبنى أفكار الصهوينية ولكن بلغتنا العربية، الفكرة التي أسسها اليهود الصهاينة في أنهم شعب الله المختار قد أخذناها وطبقناها علينا كنوع من أنواع التبادل الثقافي، ولقد أخذنا التجربة الصهيونية كاملة تقريبًا، طوال قرابة السبعة عشر عامًا منذ مولدي حتى آخر سنة لي في المنفي العربي كنت أشعر أنني غريب في بلد عربي، والسبب الحقيقي هو مبدأ «شعب الله المختار»، ونظرة أهل البلد لي ولمن مثلي من المقيمين بأننا غويم.

يؤمن اليهود بأن الله اصطفاهم عن الخلق جميعًا، وأنهم أعلى بدرجة من سائر البشر، وبعضهم يؤمن بشكل قاطع بأن البشر الذين حوله إنما هم على صورة البشر، وفي الحقيقة يؤمن أيضًا بعض العرب مهما اختلف دينهم أو عرقهم او لغتهم بنفس الفكرة، فبينما أنت تمضي في الأحياء الشعبية في البلاد العربية تجد أن أحقر المساكن وأقلها احترامًا التي تنتشر فيها الثقافة الهندية والجاليات الهندية، ويعتبر بعضنا صراحةً أن الآسيويين أقل منا بدون سبب واضح غير أنهم آسيويون.

وكذلك يستمر العيب العظيم فينا، ويثبته التاريخ بأزمة «بدون» في الكويت، وترتيب الأحياء فيها، وتقسيم الكويت إلى أحياء يسكن أغلبيتها الشيعة وأحياء أكثرها أناس بدون، وأزمة ما بعد الاحتلال العراقي للكويت والتي ظهر فيها الأبناء من آباء كويتيين وأمهات فلبينيات كنّ يعملن خادمات، وما الذكر إلا لكي تبصروا بالذكرى.

إن لم تدرك حقيقة أننا اصبحنا عنصريين لدرجة أننا نحسبنا خيرة خلق الأرض وكل البشر من حولنا عبيد أقدامنا، أذكرك بحدث مر من قرابة شهر أو أكثر في المملكة العربية السعودية، قام شاب سعودي بمحاولة انتحار عن طريق إشعال النار في نفسه عند الكعبة، وبينما لا أحد يعلم القصة ولم تنشر أي جهة إعلامية الحدث، كان موقع تويتر قد امتلأ بخطط كيف نصنع محرقة للشيعة، وكيف نرحل الشيعة من البلاد، قام بعض الشيوخ بتصريح مباشر باتهام شخوص شيعة بأعينهم، وفي النهاية أذاعت كل وسائل الإعلام أنها محاولة انتحار لشخص لديه مشاكل أسرية في حياته وقد حاول مثلها قبل ذلك بستة أشهر تقريبًا.

نحن كعرب نفعل مثل اليهود على رغم تعدد طوائفهم نجتمع لكي نمجد أنفسنا ونظهر أننا أعظم الناس، تجد في مقرات العمل تجمعات نشأت على أساس الجنسيات والأعراق، المصريون يجتمعون سويًا، والسوريون يشكلون جماعة، وكل بلد ترفع علمها على أجساد مواطنيها، وكل ذلك لكي ننغلق على أنفسنا ويشيطن كل شخص فينا الآخر، وعلى الرغم من أن المصري المنوفي والمصري الأسيوطي منفيان تقريبًا في ترتيب الشعب المصري، وأن الذي يسكن الصعيد المصري هو أقل المصريين من حيث الاعتبار به، إلا أن في المنافي تجد أن الباسبور لا يهم أحدًا فيه إلا ختم الباسبور.

كما لا يهتم اليهود بجرائم اليهود الآخرين على حساب حقوق الآخرين، بعضنا إن كان مسؤولًا عن شخصين أحدهم من بلده والآخر أجنبي بالنسبة له، قد يحكم لابن بلده لأنه يرى بأن لا حق في الحياة لأي شخص ليس من بلده، وتنشأ عن ذلك تبريرات وأفكار ومناهج لكي تستمر منظومة «شعب الله المختار مع الجاليات».

و لكي يكون الامر واضحًا أمام الجميع، جلستُ في إحد المرات بجوار يمني في المسجد الحرام، وكان سنيًا ولكنه كان متحفظًا على كل إنسان غيره تقريبًا، وأثناء ما كنت أقرأ القرأن اتسع المكان حولنا قليلًا، لم يفكر اليمني في الحقيقة أن يقوم من مكانه ويرحل عني مثلًا إن كنت مضرًا له بل قال لي «تسمح يا أخ تبعد شوي»، لم أسأله عن السبب وكنت أجمع أشيائي لكي أترك له المكان كما يرغب ولكنه أكمل «لأني بصراحة ما طايق أشوف مصريين كفاية».

لم يكن الأمر جديدًا، لكن في الكثير من الأحيان عندما أناقش أي شخص غير مصري عن أي شيء يرجع في نهاية النقاش أنه على صواب لأن مصر بلد كافرة أو بلد عاهرة أو بلد خائنة، فالذين احتكروا التدين على الخريطة العربية يرون كل من حولهم كفارًا، الذين احتكروا الشرف والعزة يرون كل من حولهم يحتكرون العهر، وأما الذين احتكروا العروبة يرون أن كل من حولهم خونة.

أما الحقيقة التي تختصر كل شيء، يوم أن كانت لنا دولة حقيقية مؤثرة في العالم أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعاليمه، أقامها بالمساواة بين الناس في المعاملة من حيث أن لا فرق بين أبيض وأسود، غني وفقير، عربي وأعجمي أو عبد وسيد، نحن نعيش في شبه دول لا قيمة حقيقية لهم، نحن في بلاد تُسقِط اقتصادها حربٌ لبضعة أسابيع أو هبوط قيمة سلعة مهدد بالفناء قريبًا، نحن في بلاد لا تصدر للعالم غير الإرهاب والانتحاريين نتيجة لاستبداد السلطات، وها هنا قد انتهى مفهوم «شعوب الله المختارة».

والمفهوم القادم «نظم أولياء الله الصالحين»، والتي هي أيضًا مستوحاة من الغربة في البلاد العربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد