فيما سبق تكلمنا عن كلام المهندس محمد شحرور حول علم الله تعالى؛ حيث زعم أن الله لا يعلم بالتحديد ما يختاره العبد في المستقبل، وناقشنا الموضوع مناقشة عقلية.

وفي هذا الجزء نريد أن نثبت بأدلة قطعية من القرآن الكريم علم الله تعالى بالسلوك المستقبلي للإنسان علما يقينيا غير احتمالي.

ونقسم الأدلة على قسمين: القسم الأول: علم الله تعالى بالسلوك المستقبلي للإنسان في الدنيا.

وإليك بعض النصوص الدالة على ذلك:

1- علم الله تعالى القطعي بكفر قوم نوح عليه السلام والإخبار بعدم إيمانهم في المستقبل، قال تعالى (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) [سورة هود:36) أليس هذا علمًا يقينيًا بالسلوك المستقبلي لقوم نوح عليه السلام؟ ولا أدري أين الاحتمالات والاختيارات في هذا الإخبار الغيبي؟

2- إن الله تعالى علَّم بعض عباده جزئياتٍ معينة من علم المستقبل متعلقة بالسلوك الإنساني، من غير وضع احتمالات، كما في قوله تعالى عن صاحب موسى عليه السلام (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [سورة الكهف:65] وبهذا العلم علم العبد الصالح أن السفينة إن سارت سليمة فإن الملك يأخذها غصبًا، وعلم أن الغلام لو كبر لأرهق والديه طغيانًا وكفرًا، وعلم أن تحت الجدار كنزا لغلامين يتيمين في المدينة وبناه حتى لا يقع.

3- عَلَّمَ اللهُ تعالى يوسف – عليه السلام – بعض ما يجري في المستقبل وما يفعله الناس، ومن ذلك إخباره بمستقبل سلوك إخوانه بعد ما يقارب من 40 سنة، قال تعالى (فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ)، وفعلًا بعد مضي مدة طويلة نبَّأهُم بما فعلوا به وبأخيه وهم لا يشعرون (قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ* قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا)، ولا أدري كيف يستطيع المهندس شحرور أن ينكر هذا، ولا يعتبره علمًا يقينيًا مستقبليًا بسلوك إخوان يوسف عليه السلام.

4- ومن ذلك – أيضًا – تعليمه يوسف تأويل الأحاديث وما يؤول إليه في المستقبل، قال تعالى (وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)) فكان يوسف – عليه السلام – يُنَبِّيءُ بتأويل كلِّ ما يأتي صاحبيه في السجن من طعامٍ قبل أن يأتيهما، (قالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) دقِّق النَظَرَ والفكر في قوله (قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا).

5- وأخبر يوسف – عليه السلام – صاحبيه في السجن بأنَّ أحدهما سَيُقتَلُ وتأكلُ الطيرُ من رأسه، وأخبر الآخرَ بأنَّهُ ينجو من العقاب ويخرج من السجن ويسقي سيده خمرًا، قال تعالى (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ* يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ).

6- ولما رأى ملك مصر ما رأى من رؤيا في منامه فَسَّرَهَا له يوسف – عليه السلام – وأخبره إخبارًا – يقينيًا لا احتماليًا – عما يجري في البلاد خلال 15 عامًا، وتحقق كلامه كما قال من غير نقصان.

7- أخبر الله – تعالى – أم موسى بأنه – عزَّ وجلَّ – سوف يرد ابنَهَا موسى إليها وبشرها بأنه سيصبح من المرسلين (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)، أليس هذا إخبارًا يقينيًا برجوع موسى – عليه السلام – إلى أمه وإصباحه من المرسلين في المستقبل؟

8- بشَّر الله تعالى إبراهيم بغلام وأخبره بأنه سيصبح عليما كما في قوله تعالى (قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) [سورة الحجر:53]، وفي موطن آخر بشره بغلام حليم (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) [سورة الصافات:101].

9- أخبر الله تعالى إخبارًا قطعيًا من غير وضعِ احتمالاتٍ بأنَّ الموهوب لمريم – عليهما السلام – سوف يكون اسمه عيسى، وأخبرها بسلوكياته وأخلاقياته في المستقبل بأنه يكون غلامًا زكيًا، وجيهًا في الدنيا والآخرة، ويكون من المقربين، ويكلم الناس في المهد وكهلًا، ويكون من الصالحين، ويهبه الله تعالى المعجزات (إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ* وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ*قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ* وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ* وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [سورة آل عمران:45-49].

كان عيسى – عليه السلام – يخبر بني إسرائيل بما يأكلونه وما يدخرونه في بيوتهم (وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ). وسيدنا عيسى – عليه السلام – لم يخبر بني إسرائيل بذلك إلا عن طريق الوحي.

10- قال تعالى (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ).

فهل كل هذه الإنباءات والإخبارات مجرد احتمالات أو يقينيات قطعيات؟ لا إخال عاقلًا يختار الأول، لأنها لو كانت مجرد احتمالات فهذا يستطيعه كل إنسان ذكي حيث يستطيع أن يضع احتمالات كثيرة أمام مستقبل إنسان ما، أو حدث ما، فإذا كان هذا حال عبد من عباد الله تعالى فكيف برب العباد عزَّ وجلَّ.

أما أوجه الفرق بين علم الله تعالى وعلم الإنسان فسوف نبينها في جزء آخر إن شاء الله تعالى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك