أريد أن أناقش قضية العلم الإلهي بالغيب فلسفيًّا، وليس دينيًّا، ولكن قبل ذلك يجب أن نميز بين أصناف الغيب، فالغيب له أنواع؛ الغيب الماضي والحاضر والغيب المستقبلي، فالماضي هو كل ما حصل في هذا الوجود منذ القديم البعيد وحتى يومنا هذا، وأما الحاضر فيختص بكل شيء موجود الآن من بشر وحيوانات ونجوم وكواكب..إلخ، أما الغيب المستقبلي فله نوعان، النوع الأول الغيب الحتمي وهو الذي يخضع لقانون طبيعي حتمي كالكون الذي يعلم خالقه بناءً على قوانينه الطبيعية كيف بدأ وإلى أين سينتهي، وأما النوع الثاني فهو الغيب اللا حتمي، وهو الذي لا يخضع لقانون طبيعي كأفعال الإنسان وإرادته الحرة وأفعال الإله نفسها، وهذا النوع بالذات سيكون محور مقالنا كله.

هل أفعالنا معروفة مسبقًا لدى الإله ؟

يقولون إن الله يعلم كل شيء ويعلم ما الذي سنفعله اليوم وغدًا وبعد عشرين سنة، وفي الحقيقة سوف نعلم لاحقًا أن هذا الكلام ليس مدحًا للإله بقدر ما هو طعن مبطن بالعدالة الإلهية فضلًا عن أنه يمس بالذات الإلهية نفسها.

طرح أصحابنا مثال الأستاذ والطالب، وقالوا إن الأستاذ بناءً على علمه بطلابه يعلم أنَّ هذا سينجح وذلك سيرسب، ولكنهم نسوا أن هذا المثال هو قياس خطأ؛ لأن الأستاذ علم بذلك بناءً على معلومات حاضرة أي أن الطالب موجود وكسله واضح، ولكن عند الإله، فشيء آخر، فالله من قبل أن نولد يعرف أنَّ فلانًا سيدخل الجنة وفلانًا سيدخل النار، فكيف علم الله بذلك وهو لم يولد بعد؟!!.. فالشخص ما زال في العدم وغير موجود، فعلى أي أساس بنى الله علمه على شخص غير موجود؟! إذا كان هذا صحيحًا فالمعنى الأدق ليس أنَّ الله بعلمه قد عرف أنَّ فلانًا سيدخل النار؛ بل لأنَّ المعلومة موجودة في عقل الإله، والشخص ما هو في الحقيقة إلا منفذ لهذه المعلومة، بالضبط مثل رواية كتبت سابقًا ثم جاء الممثلون ومثلوها على أرض الواقع.

العلم الإلهي المسبق بالفعل هو علم تقرير وليس إحاطة

علم الإله يا سادة تقرير، عندما تقول أن الله يعلم كذا قبل وجودي، فمعناها أن الأمر محسوم ومقرر، فقبل خمسة آلاف سنة لم أكن موجودًا ولا حتى آبائي وأجدادي، فعلى أي أساس علم، نقطة أخرى عندما تقول إنَّ الله يعرف أنَّ فلانًا سيأكل الفاصولياء بتاريخ 23 (آذار) الساعة الخامسة مساء من عام 2030، فإن هذا الفعل لا علاقة له بخيرٍ ولا شر، فكيف علم أنه سيأكل الفاصولياء، هذا الأمر إن صح فهو يدل على أنَّ الإنسان مخلوق مسير مليون بالمئة وليس 100%، لماذا؟ لأن فلانًا عندما توضع أمامه في (آذار) من عام 2030 الساعة الخامسة كل الأطباق ويختار منها الفاصولياء، ليس معناه أبدًا أنَّه حر ومخير، بل المعنى الأدق أنه ينفذ المعلومة التي علمها الله قبل آلاف السنين وليس العكس، والتخيير مجرد صورة وهمية نخدع بها عين الناظر فقط، فما هو المعيار الذي عرف به الإله أنَّ فلانًا غير الموجود أساسًا وهو في العدم المطلق سيفعل فعلًا لا علاقة له بخير ولا شر مثل أكل الفاصولياء، بالتالي مثال الطالب والمعلم مثال ضعيف جدًا يجانب الحقيقة، ولو كان الله يعلم مصير البشر قبل خلقهم، فهذا ليس له إلا معنى واحد ألا وهو العبث التام، وأننا نمثل مسرحية هزلية ليس لها أي معنى.

إذا كان ذلك صحيحًا فما الحكمة من كل ذلك؟

السؤال الذي يطرح نفسه ما دام الله يعلم كل هذا، لماذا لم يضع منذ البداية فريقًا في الجنة وفريقًا في النار طالما أنه يعلم؟ سيقول قائل من أجل أن يقيم الحجة علينا، نرد عليه أنَّ إقامة الحجة هنا شيء لا معنى له؛ لأن علم الإله تقريري فالإله ليس بحاجة لأن يقيم علينا الحجة، والسبب الثاني هو أن النتيجة واحدة، أي إن هذا الفريق سيدخل الجنة وذلك سيدخل النار سواء أقام الحجة أم لم يقمها، سواءً وضعهم منذ البداية في النار أو بعد مليار سنة لن يتغير شيء سوى أنه ضيع وقته على شيء محسوم سلفًا.

الأمر الخطير أن هذا الأمر يمس بالعدالة الإلهية نفسها، فلو فرضنا أن الله يعلم أن أبا رامي سيدخل الجنة قبل ولادته وأنَّ أبا علاء سيدخل النار، بإمكان أبي علاء أن يعترض ويقول مادام يا إلهي أنت تعلم أني سأدخل النار من قبل أن أولد، لماذا خلقتني؟!! وما هو ذنبي إذا كانت البذرة المصنوعة عاطلة ومسوسة؟! وأنا لم أصنع نفسي بل أنت الذي صنعتني، وماهي العبرة، وماذا ستسفيد يا ربي من تعذيب شخص في النار أنت تعلم مسبقًا من قبل أن يولد أنه في النار.

الغيب اللا حتمي في أفعال الإله نفسها

ننتقل الآن إلى النقطة الثانية وهي الغيب اللا حتمي بالنسبة إلى الإله نفسه، لو كان الله يعلم كل أفعاله، أي إنه يعلم بكل فعل سيفعله الآن وغدًا وبعد مئة مليار سنة، فهذا معناه أن الله نفسه لا يملك إرادة حرة، وليس حرًا بل مسيرًا، وحتى نفهم معنى الكلام، تصور أنك تعلم كل شيء سيحصل معك اليوم وغدًا وحتى موعد وفاتك، كل شيء، حتى لون القميص الذي ستلبسه بعد عشرين سنة، أين الحرية في الموضوع وأين الإرادة الحرة؟! وما هو معنى حياتك هنا؟! وأين هي لذة الحياة؟!

الحرية والإرادة الحرة تعني أنه لا أحد يعلم – حتى أنت – ما الذي يمكن أن تفعله بعد ساعة زمن، وعندما تقول إن الله يعلم كل شيء سنفعله أو ما سيفعله هو، فأنت تسيء إلى الله من حيث تظن أنك تمدحه، وتبين أننا نمثل مسرحية معلومة مسبقًا وليس العكس، وليس معناه أن الله قد علم بهذا بل إننا ننفذ ما علمه هو قبل وجودنا، كما أنك تظهر أن الله شخصية لا تملك إرادة حرة كونه مسيرًا بعلمٍ مسبقٍ لا يحيد عنه أبدًا، والأصح أن الغيب اللا حتمي الخاضع للإرادة الحرة يفقد معناه بالمعرفة، والأصح أنه يولد في لحظته أو في زمنٍ قريبٍ منه، وعندما تقول أن الله يعرفه فأنت تسيء إلى الله وتنسف مفهوم الإرادة الحرة من أساسه.

الخلاصة

هناك خلط بين العلم نفسه وبين الحرية والإرادة، فالحرية والإرادة ليسا محكومين دائمًا بالعلم، بمعنى قد يكون هناك شخص يملك العلم المطلق في الرياضيات والفيزياء، ولكن علمه هذا لا يحدد أفعاله دائمًا، فقد يقرر بعد ساعة زمن بما أوتي من حرية وإرادة أن يذهب إلى النادي لكي يلعب الكرة أو يذهب مع صديقه إلى القهوة، أو يقوم بتشغيل التلفاز لكي يشاهد المباراة النهائية لكأس العالم وهو يحتسي كأسًا من الشاي، أفعاله هذه لا علاقة لها بعلمه المطلق في الفيزياء والرياضيات، وهذا هو الخلط الكبير الذي وقع به كل من خاض في مسألة العلم الإلهي بالغيب اللا حتمي الذي يخضع للإرادة، فالإله يملك علمًا مطلقًا بمحتويات الغيب الماضي والحاضر والمستقبل الحتمي الذي يخضع لقوانين العلم، أما الغيب اللا حتمي فلا ينطبق عليه مفهوم العلم دائمًا بل هو محكوم بالحرية والإرادة وقد يتدخل العلم في هذه الإرادة، وقد لا يتدخل ولكنه بالتأكيد ليس المحرك الأساسي لها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد