الأعزاء.. إليكم نموذجًا عما يفعله الإعلام العربي من مختلف الانتماءات والاتجاهات بعقولنا!

تناقلت عدة مواقع وصحف وقنوات تلفزيونية عربية، من مختلف الانتماءات السياسية والجغرافية والعقائدية، «خبرًا» يتحدث عن اعترافات لعميل في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية على فراش الموت حول قيامه باغتيال المغني الجامايكي الشهير «بوب مارلي» عبر دس «فيروس» أدى إلى إصابته بالسرطان في حذاء رياضي أهداه إياه!

ونشرت وسائل الإعلام، التي بثت الخبر، صورة للعميل المزعوم وهو يتمدد على سرير في المستشفى، وقدمت الاعترافات على أنها «عقدة ذنب» يشعر بها العميل وأراد البوح بها قبل موته. قصة «هوليودية» جميلة.

شاهدوا الفيديو التالي لتعرفوا كم من السهل الخداع في الإعلام وبناء الآراء والقناعات وفق معلومات كاذبة.

بعد قليل من التدقيق والتمحيص، تبين أن صورة «العميل» الأمريكي المستخدمة هي صورة لعجوز بولندي من ضمن مجموعة صور التقطها مصور في بولندا. أما مصدر الخبر فهو موقع أمريكي لا يمتلك حدًا أدنى من المصداقية وهو مشهور بنشر أخبار كثيرة زائفة من قبل، فضلًا عن أن «حبكة» الخبر مشكوك باحتمالاتها العلمية، فإمكانية نقل السرطان لأي شخص أمر غير مثبت علميًا حتى الآن.

قد يقول قائل أن الموضوع «خطأ» غير مقصود وأنه لا يستحق التعليق عليه. حسنًا، دعوني أوضح لكم ما هي آثار الأخبار «الزائفة» على العقل والسلوك البشري:

– لا يقتصر ضرر الأخبار الزائفة على السياسة والإعلام، بل هو يطال في الجوهر العلاقات البشرية، لأننا نبني قناعاتنا بناءً على ما نسمع ونقرأ. تعويد العقل على تصديق الأخبار دون التفكير بها يؤدي إلى أضرار بالغة في نسق التفكير ومنهجيته. هذا أشبه بعملية غسل دماغ بشكل بطيء يتحول معها الجمهور إلى متلقٍ شديد الغباء، ثم تتساءلون عن سبب تخلف مجتمعاتنا الشرقية وانصياعها وراء كل ناعق وتلهينا بقشور التاريخ والسياسة!

– تشبه قراءة الأخبار من دون تفكير قيادة السيارة من دون رخصة. قد يظن السائق أنه يجيد القيادة ولا حاجة به للرخصة، ولكن حادثًا واحدًا من شأنه قلب الأمور رأسًا على عقب. إن عدم قدرتنا قرّاء أو مشاهدين على التمييز بين الخبر الزائف والخبر الصحيح يعني ببساطة أنه من السهل خداعنا.

– إن السبب «النفسي» الأول لتصديق الأخبار الزائفة والكاذبة هو «التحيز». راقبوا المدافعين عن أي خبر زائف. سيتبين أنهم يتمسكون به لمجرد أنه يتوافق مع أهوائهم أو رغباتهم. في المثال أعلاه، قرأت تعليقات لإعلاميين يناهضون السياسة الأمريكية في العالم وهم تقصدوا نشر الخبر بعد وضعه في سياق «كشف جرائم أمريكا»، بينما قام إعلاميون آخرون محسوبون على الولايات المتحدة بالتقليل من الخبر عبر تقديمه بصيغة السؤال في محاولة للتخفيف من وطأته. وبالطبع لم يكن هؤلاء على دراية بأن الخبر زائف وإلا لكانوا استخدموا هذه الحقيقة لدحض الخبر من أساسه. وبما أن التحيّز أمر «قبيح» عقلًا، فنحن نخاطر بالتقوقع داخل أطر ضيقة في كل مرة نقرر فيها تصديق أي خبر لمجرد توافقه مع ميولنا. وبالتالي نضع أنفسنا في دائرة مغلقة في كل مرة نتحيز فيها لرأي ما من دون مسوّغ غقلي أو منطقي.

– ترتبط قضية تصديق الأخبار الزائفة بمسألة التمييز بين ما هو واقع وما هو افتراضي. يعتاد عقل الشخص الذي يصدق الأخبار الزائفة على جرعات متواصلة تفعل فعلها وتزيد من غفلته. سأعطي مثلًا نختبره جميعًا. في الصغر، ننحو أكثر نحو طرح الأسئلة ولا يردعنا أي اعتبار في طرح أسئلة حول كل شيء. هذا جزء رئيسي من «التفكير الناقد». ولكن معظمنا نفقد هذه «النعمة» مع انخراطنا أكثر في المجتمع وخشيتنا من نظرة الآخرين لنا. تصديق خبر منتشر من دون طرح الأسئلة البديهية ومحاولة البحث والتحقق من مصداقيته يعني أننا ببساطة نفقد تميزنا ونكتم صوت العقل بفعل شعورنا بأن تشكيكنا بما هو شائع قد يُحرجنا.

– في الأغلب، يتميز أصحاب التفكير الناقد بسمات الطرافة والنباهة. تعليقات هؤلاء على الأخبار الزائفة عمومًا تتخذ منحى أدبيًا ساخرًا. هذه إحدى الاستراتيجيات الدفاعية التي يلجأ لها الأشخاص الأذكياء للتقليل من التوتر والقلق. في المقابل، يُعرض الأشخاص، الذين يصدقون بسرعة كل خبر، أنفسهم لتراكم مشاعر سلبية من دون الالتفات إلى هذا التراكم، فتراهم سريعي الإنفعال والغضب وحدة المزاج. من الملفت فعلًا أن ظاهرة كهذه تنتشر كثيرًا في غرف الأخبار تحديدًا، حيث لا يمتلك الصحفيون والإعلاميون الوقت لتحليل الخبر، ولا ينتبهون لمخاطر عدم إفساح المجال أمام العقل لمعالجة كل تلك الأخبار الواردة.

أخيرًا، تُعدّ الأخبار الزائفة مرض الإعلام الأول حاليًا. ومواجهة هذا المرض يتطلب معالجة تخصصية يشارك بها علماء وأخصائيون في علوم إنسانية عديدة. أما على الصعيد الشخصي للإعلاميين والصحفيين، فعلى كل منا تعزيز تفكيره الناقد ومراقبة اتزانه النفسي، خاصة عند التعرض لجرعات كبيرة من الأخبار لفترات طويلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!