سنوات عديدة، بل قرون مديدة مرت منذ استطعتم خرق ردم ذي القرنين، نعم، أعلم ذلك، كما أعلم إسراع الفاروق عمر بجيوش المسلمين إلى توفير سدود بشرية من بلاد آسيا، التي فتحت للإسلام، إبان صراعه مع الدولة الرومانية الغاشمة آنذاك، قد أبطأ كثيرا من سرعة انتشار لهيب بغضكم المتأجج ضد الإنسانية بكل أخلاقها وقيمها ومبادئها، كما حال كثيرًا دون تنفيذ مخططكم الناري الداعي إلى تجريد البشر من كرامتهم وعزتهم التي اصطفاهم الله تبارك وتعالى بها.

 

على الرغم من كونكم بعض أبناء آدم، بل نوح أيضًا، غير أنكم دائما وجدتم في المثل والفضائل والقواعد موانع صارمة أمام رغباتكم الأثيمة في تتويج الشهوات المظلمة وعبادة المتع المادية على عرش قيادة الإنسان، كبديل عن الإله، المعبود، أي معبود، وفكرة الدين، أي دين، وقد كانت قضية الألوهية والتدين دائما عنصرا بشريا يجعل من الإنسان كائنا محبا ومحترما لكل دعاة الرقي البشري والسمو الإنساني، مهما كانت دعوة ذلك الداعية، ولو كانت دعوته مجرد فلسفة أخلاقية تدعو الناس إلى إعلاء أحكام الفؤاد وربطها بنورانية القلب؛ لتكن فوق كل غريزة تهيمن عليها وتقود الشهوة بلجام من التعقل والحكمة.

 

لطالما منعتكم نظرة الناس تلك إلى الحياة من إفشاء معياركم البغيض إلى نفوس الناس في أرجاء المعمورة، حتى الآثمون والساقطون في أتون الشهوة المحرمة كانوا يقلقونكم دائما بما وقر في أنفسهم من حب للفضيلة وإن لم يمارسوها وبغض للرذيلة وإن اغتسلوا في حممها وحميمها.

 

موجاتكم النارية عملت كثيرا على تحطيم مثل تلك الفلسفات التي تحض على مثل هذا السمو، كذلك الديانات التي تدعو إلى الانتصار للإنسانية، والحق إن أرباب الديانات والفلسفات قد انشغلوا كثيرا بما نصبتموه لهم من فخ الاقتتال الديني والعقدي فيما بينهم، وكثيرًا ما عمل المتدينون على إفناء بعضهم البعض بما أوقدتموه من نار الحروب بينهم، ولكن البشرية بأفكارها وفلسفاتها ودياناتها قاومت كثيرا وصبرت طويلا، لولا أن أُتي الدين من مأمنه؛ إذ لبستم بين المتدينين مسوح الرهبان وبين المتفكرين شعارات العلماء والفلاسفة، ولا عيب في أهل الفضل إن كان مهلكه بيد غدر تخون من يأتمنها.

 

لقد حققتم نجاحات كثيرة واستطعتم تغيير فلسفات من داخلها، ودياناتٍ من نصوصها، وأممٍ بيد مدعي الإصلاح فيها.

 

وهل ينسى عاقل كيف أنزلتم الإنسان من عليائه باسم الطبيعة، وأنه مجرد حيوان، ثم كيف لم ترتضوا بذلك حتى ادعيتم أنه ابن القرد تطور باسم ما أسميتموه علمًا فأصبح إنسانًا يفكر ويبدع؟

 

هل ينسى عاقل كيف حللتم النفس التي كانت أهم مباحث الميتافيزيقا حتى جعلتموها ذات محرك جنسي غريزي، وعللتم كل تصرف لها بأنه ناتج عن محرك كامن بين فخذيه؟ ثم كيف أسقطتموه في هوة الفوضوية والعبثية ومن ثم العدمية، وأسميتم كل أكذوبة من هذه الأكاذيب بغير أسمائها: فهذه تنوير، وتلك حداثة، وأخرى عصرنة.

 

أم كيف حوّلتم الرجل مطية مستدجنة لكل طاغية باسم التحضر والقانون، حتى قتلتم فيه روح الإباء والشرف؟ وكيف حوّلتم المرأة إلى مسخ مسترجل بقي له جسده نهبًا لكل متلصص أو متبجح وأخذتم منه عطفًا وحنوًا وملجأ لكل اجتماع إنساني يحتاج بعد فورة التطاحن في أتون الدنيا إلى هدأة مهد أعد في الجنة ليكون مذكرًا دائما بالوطن الذي منه كان الإنسان وإليه يعود إن بقي على عهده؟

 

كبير يأجوج! لقد نجحتم طوال رحلتكم، وعبر أمواجكم النارية التي لفحت وجه الإنسانية مرارا وتكرارا، حتى استطعتم مؤخرًا ضرب آخر دين وقف في مواجهتكم، واستطعتم خرق سد الإسلام بذبح دولته من داخلها، وتمزيق أتباعه إلى ديانات شتى، فتنويريين وعقلانيين وقوميين ووطنيين وحداثيين وعدميين، وكل يدعي وصلا بليلى، ولكن ليلى لا تقر لهم بذاكا.

 

لقد بات أناس في كنيس وما عبدوا إلا ما جعلتموه لهم إلهًا، دعوه بما كانوا يدعون به إلههم رب الكرامة الإنسانية، وبات غيرهم في كنيسة، وغيرهم في معبد، وآخرون في مسجد وكلهم يعبد إله الشهوة الأعور، غلبهم بدجله وتلبيسكم عليهم دينهم، يتلون ترانيم وآيات كانت لإله الحق فباتت تتلى لأجل رب الغرائز وتقديس المادة.

 

صدق فيكم وفيهم توجيه النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل النار من أبناء آدم من كل ألف تسعمائة تسعة وتسعون، وواحد في الجنة، فالذي في الجنة مؤمن برب الإنسان الذي خلقه فسواه فعدله، وتسعمائة تسعة وتسعون من كل ألف من يأجوج ومأجوج، كما أخبر نبي الهدى.

 

لقد استوطنت ـ كبير يأجوج ـ وقومك أرض الميعاد بعد ذبح رسالة الإسلام في معقلها، واستعبدت بني إسرائيل بعد جمعك لهم من الشتات واستعملت أهل الصليب في خدمة حضارتك، واستضعفت أهل التوحيد فجعلتهم شيعًا وأحزابًا وفرقتهم على أوطان أنسيتهم بها جنة أبيهم آدم، ومن خلفهم استقطبت أهل بوذا وزرادشت وكونفشيوس وغيرهم، ليدور الجميع في فلكك أنت وكيفما شئت، وعلى الوجه الذي أردت الإنسان أن يصبح عليه، فهل اكتمل اليوم تمهيدكم لأعوركم الذي لا يرجو غير الدنيا يشتريها بالعليا؟

 

كبير يأجوج، هنيئا لكم قليلا بمن اتبعوك وقومك، هنيئا لك قليلا بمأجوج تتموج على أبوابكم يدعونكم بما كانوا يدعون به الله عز وجل ، ولكن من وراء ما قدمتموه للبشرية هناك رب أخبرنا في كل دين قديمًا بما ستقترفه أياديكم من آثام وجرائم، وأراد منا أن نخبركم قوله: وإن عدتم عدنا. وقوله: وبالحق أنزلناه وبالحق نزل. أقول لك كبير يأجوج: فانتظروا إنَّا منتظرون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد