بالرغم من التقنيات العالية التي استخدمها تنظيم الدولة في إصداره الأخير عن صك الدينار والدرهم، إلا أن هناك أمورا ينبغي على المتابع أن يدركها من الناحية الاقتصادية .

 

لنذكر المسلمات التي ذكرها الإصدار بداية لنتفق عليها ومن ثم نذكر الأجزاء الغائبة من الصورة لنرى المشكلة الحقيقية كما هي ومن ثم نطرح حلها:

 

  • استحواذ أصحاب البنوك على الكمية الأكبر من المخزون العالمي للأموال.
  • تصدير الولايات المتحدة عملتها كعملة عالمية وربط النفط بالدولار ـ البترودولار ـ هو السبب الرئيس في توسعها في طبيعة الأوراق الملونة التي لا تملك قيمة حقيقية في ذاتها إلا لارتباطها بالنفط والإنتاج عموما وفرضها عالميا عن طريق القوة الاقتصادية والعسكرية خصوصا.
  • سرقة الكم الهائل من الأموال في العالم كله عندما أصدر نيكسون قراره بعدم تحويل الدولار الورقي إلى قيمته الأصلية بالذهب.
  • الطباعة الاعتباطية لمليارات الدولارات وتصديرها للعالم هو أحد أهم أسباب التضخم العالمي والكارثي.

 

ثم نضيف أن صناديق الخليج السيادية في أمريكا هي الضمان الأكبر لاحتفاظ الدولار بقيمته؛ لأنه عند حدوث أية كارثة اقتصادية ستبذل دول الخليج قصارى جهدها للحفاظ علي قيمة الدولار؛ لئلا تفقد ودائعها في أمريكا إذا فقد الدولار قيمته وربما كانت أحرص على ذلك من أمريكا نفسها .

 

ما لم يعرج عليه الإصدار وهو في منتهى الخطورة ما يلي:

  • لو تحول التعامل بين عامة الناس من الورق إلى الذهب فإن هذا لا ينفي حتمية إيداع الناس ما يملكون من ذهب في البنوك مرة أخرى والحصول على صكوك ائتمان؛ لاستردادها عند الحاجة والعودة إلى مربع الصفر مرة أخرى وذلك؛ لأن الناس لا يأمنون على مدخراتهم في بيوتهم وهذا ما حصل قبل دخول المؤامرة على الخط، لأن إنشاء البنوك جاء خطوة لاحقة لإيداع الناس أموالهم لدى الصرافين ائتمانا عليها، ومن جهة أخرى فإن ما حصل من تطور في التعامل المادي من المستحيل أن يقبل في الحياة الحالية أن يذهب الرجل إلى محل البقالة أو بائع البطيخ بصرة من الدنانير والدراهم خاصة لو كان الواحد فيها يوازي 21 جراما من الذهب ـ 5 دينار ذهب ـ فهذا كان له سياق تاريخي وتخطاه التقدم الطبيعي للبشرية، بل حتى إن التطور قد تخطى العملات الورقية التى ليس لها قيمة في ذاتها إلى التعامل عن طريق البطاقات الائتمانية والتي هي عبارة عن مجرد أرقام في حواسيب البنوك .

.

  • تناسى الإصدار أن أول ما مكن الولايات المتحدة من سرقة ذهب الدول الأوروبية هي الحرب العالمية الأولى والثانية؛ حيث كانت الولايات المتحدة تصدر لهم آلات الحرب، وفي هذا لم تبعهم الوهم بل باعتهم ما له قيمة حقيقية موازية للذهب .

.

  • غش العملة لا يقتصر على طباعتها ورقيا، بل حتى العملة الذهبية يطرأ عليها الغش والخداع بقرض أطرافها أو خلط الذهب بالنحاس، وقد ألمح الإصدار دون تفصيل إلى هذا الأمر، وكانت هذه عادة قوم شعيب عليه السلام وقد نقل الدكتور القرة داغي في كتابه الحقيبة الاقتصادية قول ابن تيمية في “ولا تعثوا في الأرض مفسدين”، أي لا تفسدوا في الأرض بقرض الأموال فتنقص قيمتها، وأردف ابن تيمية رحمه الله أن من أوجب واجبات الإمام المسلم أن يضبط الأسواق وصك العملة ـ لآنها كانت معدنية آنذاك ـ وأن يفتش عن المزورين ويوقع بهم أشد العقاب حماية للأموال والأسواق وممتلكات الناس، وهذا يمكن ضبطه إذا كانت الحكومة رشيدة والشعب يراقب عليها كما هو الحال في النظام الإسلامي في حالة الأموال الورقية.

.

  • الربا لا يقتصر على الأوراق المالية إنما سبقها إلى العملات المعدنية ، فإن الكارثة الاقتصادية الحالية لا تقتصر فقط على الطباعة الاعتباطية للأموال الورقية، بل أيضا وربما في الأساس على الربا وهو ما لا يفرق بين الذهب والورق كعملة تعاملية بين الناس.

.

ألمح الإصدار إلي الصين ورسيا وهنا بيت القصيد الحقيقي، بل نضيف إليهما الاتحاد الأوروبي كنموذج اقتصادي مستقل يناطح الدولار في قيمته، هذه الدول من أكبر الدول في العالم تصديرا للإنتاج الحقيقي الموازي للذهب لا الأوراق الوهمية وخاصة الصين حيث تعد الولايات المتحدة الأمريكية أكبر مستورد عالمي من الصين، ولهذا فإن هذه الدول المستقرة ابتداء الخالية من الحروب على أراضيها وإن كان لها حروب بالوكالة والتي تشجع الاستثمار الحقيقي الذي يرفع معدلات الإنتاج الحقيقي الموازي للذهب اعتمدت في الفترة الأخيرة على تخزين الذهب بكميات هائلة بدلا من تخزين الدولار، ولأنها ذات قوة اقتصادية حقيقية فإن ما يسمي بدول البريكس والتي تضم الصين وروسيا والبرازيل بدأت خطوات حقيقية للتحرر من الهيمنة الدولارية على العالم، واعتماد عملاتهم في التبادل التجاري مع الدول الأخرى بدلا من اعتمادهم على الدولار وهذا لسبب واحد فقط؛ لأنهم يملكون الإنتاج الحقيقي المعتمد على الاستقرار الداخلي .

.

لم تلجأ أي من هذه الدول إلي صك العملة الذهبية أو الفضية أو نشرهما بين الناس لأن هذا جزء من الإنتاج المعدني مثله مثل النفط الذي لم يكن العالم يعرفه يوم كان يستخدم الدينار والدرهم ومثله مثل الإنتاج الزراعي والصناعي ، لذا فالغطاء المعدني هو الضابط الأكبر للعملة الورقية يضاف إليه الرقابة ورشد الحكومات .

.

من هنا نرجع مرة أخرى إلي حالتي سوريا والعراق ، هاتان البلدان مدمرتان بالكامل لا يكاد يكون فيهما إنتاج إلا النفط الذي يباع في الأسواق العالمية التي تسيطر عليها أمريكا سياسيا وعسكريا بالدولار ويشتري الشعبان كل احتياجاتهما من الخارج بالدولار لانعدام الإنتاج الحقيقي إلا قليلا ، فلو أنتج التنظيم الذهب والفضة دنانير ودراهم لن يعدُوَا كونهما إنتاجا ذهبيا مثله مثل الإنتاج النفطي فلا يتغير شيء في المعادلة إلا المصطلح من البترودولار إلى الجولددولار .

.

الحل الجذري لهذه المشكلة لا يكمن في صك الدينار الذهبي بهذه الطريقة السطحية وإنما التحول إلي مرحلة الإنتاج الحقيقي الذي يقلل الحاجة إلى الإنتاج الغربي المدعوم بالدولار وردم الهوة الإنتاجية والصناعية بين الإنتاج المحلي والغربي والذي بدوره يتطلب الاستقرار التام وتوحد العملة العربية و إنشاء سوق عربية مشتركة علي غرار الاتحاد الأوروبي يكون التعامل فيه بالعملة العربية المشتركة بديلا عن الدولار فلا يباع النفط بالدولار إنما بالعملة العربية المشتركة ويخزن الذهب غطاء لهذه العملة يمكن استردادها في أى وقت ولكن يمثل الواقع السياسي والاجتماعي العربي والصناديق السيادية لدول الخليج في الولايات المتحدة أكبر العوائق أمام هذا التحول .

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد