في كل عالم وفي كل صناعة هناك أشخاص يمثلون أساطير حية، منهم المنقب عن الذهب «مايكل أكوستا»، قلما تجد الجيولوجي الشاب بعيدًا عن الأرض والجبال والصخور التي ينبش فيها بيديه بحثًا عن المعدن الأصفر النفيس، قلما تجده في ملابس نظيفة، وقلما تجد يديه ووجهه غير ملطخين بطين الأرض أو غبار الصحراء أو دخان آلات الحفر. وفي واحدة من تلك المرات القليلة كان يقف في حلة أنيقة وشعر مصفف بعناية أمام مجموعة من المستثمرين الذين قد يمولون حملته الجديدة للبحث عن الذهب في أندونيسيا، كان قد أدار لهم ظهره وهو يحملق في الأفق المنكشف أمامه عبر نافذة حجرة اجتماعات في طابق عالٍ بمبنى شاهق، بدا وكأنه يبحث عن كلمات مناسبة تصف ما يشعر به، لكن دون جدوى، وأخيرًا استدار إليهم قائلًا:

«قد لا تفهمون ما سأحاول قوله، البحث عن الذهب بالنسبة لي ليس أمرًا متعلقًا بالمال، الأمر يتعلق بصلة ما بين المنقب وبين اكتشافه الموجود هناك في مكان ما في انتظار أن يظهر له، الأمر يمس الروح ولا يمكن التعبير عنه بأي كلمات».

فيلم «ذهب» Gold مستوحى عن قصة حقيقية أبطالها شاب يدعى «كيني ويلز» – النجم ماثيو ماكونهي – القادم من عائلة تعمل في مجال التنقيب والتعدين، يتوفى والده تاركًا لابنه الشاب المغامر والمندفع فرصة إدارة الشركة والصعود بها لآفاق جديدة، إلا أن كيني يخفق تمامًا ولا يحقق أي نجاح، بل تصبح شركته على وشك الإفلاس، ويقامر لإنقاذ شركته على التعاون مع المنقب ذي السمعة الأسطورية «مايكل أكوستا» – يقوم بدوره الممثل الفنزويلي إدجار راميرز الذي تألق مؤخرًا في فيلم The Girl on The Train -، وأكوستا معروف بكشوفاته المذهلة في غابات آسيا، كان ينقب عن كل شيء، من النحاس وحتى الذهب، كان ينتقل من مكان لآخر حتى يشعر بالخبيئة تناديه من تحت طبقات الأرض، فيشير إلى العمال كي ينصبوا مثقاب التربة، ولا يمر وقت طويل حتى تخرج الأرض كنوزها له.

أسطورة الذهب

وبدون علمها، يقوم كيني برهن ساعة صديقته «كاي» – الجميلة برايس دالاس هاورد نجمة فيلم The Help – مع أشياء أخرى، ليحصل على مبلغ يكفيه بالكاد للسفر لأندونيسيا حيث يقيم أكوستا ويعمل، ويحاول إقناع صديقه القديم بالعمل معًا على حلم كبير، كانت هناك أسطورة حول وجود منجم ذهب ضخم في بقعة غامضة من الغابات الأندونيسية الكثيفة، ولم يكن أحد متأكدًا من ذلك، ولم يقدم أحدٌ على التنقيب عن هذا المنجم نظرًا للتكلفة الضخمة التي قد تتكفلها حملة كبرى من هذا النوع.

ينظر أكوستا بريبة إلى صديقه ذي الحال الرث، ويشك بالطبع في قدرته على تمويل حملة مثل تلك، لكن «كيني» يؤكد له أنه قادر على جمع أي تمويل يطلبه، فقط عليه أن يعطيه تعهدًا بالموافقة على المضي قدمًا في المشروع.

يعود كيني إلى الولايات المتحدة ويقوم بسلسلة طويلة من الاجتماعات مع عشرات المستثمرين والبنوك، ويحصل في النهاية على نصف المبلغ المطلوب ويعود به مرة أخرى إلى أكوستا متوسلًا له أن يبدآ في التنقيب ريثما يدبر باقي المال. يوافق أكوستا، بينما يكتب كيني عقد شراكة بينهما على منديل ورقي، أن كل ما يخرج من المنجم سيتم اقتسامه بينهما بنسبة 50%-50%، يوقعان المنديل «العقد» ويتركه كيني مع صديقه أكوستا.

يقوم الصديقان باستئجار عمالة أندونيسية وآلات حفر وتنقيب، ويشقان طريقهما وسط الغابات المطيرة إلى وادٍ بين جبلين حيث مكان المنجم الموعود كما تشير الأسطورة، كان المكان مجاورًا لمجرى نهري يقوم السكان المحليون ليل نهار بتصفية مياهه الضحلة المختلطة بالطين في مناخل ضخمة، ليجدوا بين الحين والآخر بلورات صغيرة من الذهب داخل مناخلهم، كان ذلك مؤشرًا قويًا للصديقين بوجود كنز أكبر يجري في أعماق الأرض تحت النهر.

يمضي العمل على قدم وساق، لكن حماسة كيني وأكوستا تهتز مع الوقت، في كل مرة يقومان باستخراج عينة من الأرض وإرسالها للمعمل الجيولوجي في العاصمة ليتم تحليلها، كانت النتائج تعود إليهم بشكل مخيب للأمل. وفي كل مرة يقومان بتغيير مكان التنقيب، كانت النتيجة تأتيهم سلبية.

نقطة تحول

يبدأ المال في النفاد، ويبدأ العمال في الانقطاع عن العمل بعدما انقطعت أجورهم، يقرر كيني اصطحاب أكوستا إلى الولايات المتحدة، وبيع أكوستا نفسه للمستثمرين، كانت أسطورته لا تقاوم، وعندما أخبر المستثمرين أنه واثق تمامًا بوجود الذهب لكنه بحاجة لمزيد من الوقت والمال، وعندما عاد معه بعضهم إلى أندونيسيا وشاهدوا بلورات الذهب التي يعج بها النهر، قرروا إعطاءه كل ما يريد من مال.

وتمر الأسابيع والحفر يعمل بلا انقطاع، والتقارير تأتي من جاكارتا بأخبار سلبية أيضًا بلا انقطاع. يصاب كيني بالملاريا ويكاد يفقد حياته من الحمى، ووسط رعشاته يتوسل كيني لأكوستا قائلًا «أرجوك لا تدعني أمُت تاركًا لا شيء لأسرتي». وفي يوم يستيقظ من النوم ليجد أكوستا بجوار فراشه وهو يحمل صفحة من آخر تقرير وصلهم للتو. لقد أتى التقرير بأخبار مذهلة، لقد اكتشفا أخيرًا منجم الذهب، وبواحدة من أكبر نسب التركيز في التاريخ. كان الأمر صاعقًا وانفجر كيني في البكاء من الفرحة غير مصدق.

تطير الأخبار إلى الولايات المتحدة، حيث تتلقف وسائل الإعلام أخبار عثور شركة كيني وأكوستا على واحد من أكبر مناجم الذهب في العالم، باحتياطي يبلغ مليارات الدولارات من المعدن النفيس. وتتنافس بيوت الاستثمار على الحصول على قطعة من كعكة الشركة عبر ضخ ملايين الدولارات من الاستثمارات فيها مقابل حصة. بل وتعرض إحدى شركات السمسرة الكبرى إدارة عملية لطرح أسهم الشركة في البورصة، ولا يمضي وقت طويل حتى يجد كيني نفسه، وهو الذي لم يكن يملك من المال من قبل ليستطيع السفر لأندونيسيا، يجد نفسه وهو يمتلك أسهمًا في شركة تقدر بمئات الملايين. كل ذلك ولم يتم استخراج أونصة واحدة من الذهب بعد من المنجم. كل ذلك بناءً على التقرير الجيولوجي لمعمل تحليل التربة والمعادن.

لكن الأمور لا تسير على هذا القدر من الحظ طويلًا، لأن مستثمرين نافذين لهم علاقة بالرئيس الأندونيسي – الديكتاتور «ميجاواتي سوكارنو» وقتها – حاولوا الحصول على حصة كبيرة من الشركة تقترب من نسبة الأغلبية، إلا أن كيني قابل طلبهم برفض عنيف، فما كان منهم إلا أن أوعزوا لصديقهم الديكتاتور الكبير بالاستيلاء على الشركة في ممارسة تشبه التأميم الإجباري.

تدور باقي أحداث الفيلم بين محاولة الصديقين إنقاذ الوضع عبر إدخال ابن سوكارنو على خط الوساطة لإصلاح الأمر، وأيضًا بين شكوك قوية تدور حول تزوير نتائج التقرير التكنولوجي وأن المنجم قد لا يحتوي في النهاية على أي ذهب من أي نوع ولا أي كمية.

فيلم Gold يأخذنا في جولة غنية للغاية في عوالم السياسة والأعمال وخبايا البورصة وشركات الاستثمار، وفي نفس الوقت يغوص عميقًا في جوانب النفس البشرية حين يحكمها الشغف، وحين يصطدم التطلع للنجاح وتحقيق الذات بصخور الفشل واليأس، وإلى أي حد قد يذهب الإنسان وقد يتنازل أخلاقيًا من أجل الحفاظ على كبريائه ومن أجل ألا يخيب ظن الآخرين فيه، وخصوصًا عندما تتعلق كل آمالهم وخطط حياتهم ومستقبلهم به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد