لطالما زخرت الأفلام الخيالية الهوليوودية ورسومات ديزني العالمية بالقصص التي يمكن فيها للإنسان أن يصبح حيوانًا. كما وردت «الإنسانية الحيوانية» Therianthropy في العديد من الأساطير حول العالم، وتعني القدرة الأسطورية للبشر على التحول إلى حيوانات أخرى من خلال تغيير شكلها وأكثر ما يوجد هذا في القصص المتعلقة بالمستذئبين.

وذكرت فكرة التحول كذلك في القرآن الكريم، وبالضبط في قصة «أصحاب السبت» الذين عصوا الله فمسخهم قردة وخنازير. أما القصة التي نتناولها اليوم، والتي تعد أول رواية في تاريخ الإنسانية وأول نص فانطاستيكي في الأدب العالمي وهي رواية (تحولات أو الحمار الذهبي Métamorphoses), Âne d’or) وكاتبها هو لوكيوس أبوليوس أو آفولاي، ولد في مدينة مداوروش في سوق أهراس في «الشرق الجزائري» طاغست قديمًا.

درس هذا الأديب الأمازيغي الأصل بقرطاج وزار العديد من المدن والعواصم الفكرية المزدهرة كالإسكندرية وأثينا. . إلخ.

كان أبوليوس ذا طبيعة متنوعة إلى حد كبير وصاحب موهبة عظيمة فكان محيط كتاباته تبعًا لذلك واسعًا جدًّا، فلم يقتصر في نثره على تأليف الكتب البلاغية فحسب. وإنما اهتم إلى جانب ذلك بالفلسفة وبعدة علوم أخرى وكان معروفًا بتنوع معارفه. فيما يرى مارتين شرانتس أن يجمع في شخصيته أمبدوكليس Empedocles حوالي (438ق. م) وأفلاطون platon حوالي (348-428 ق. م) وسقراط sokrates حوالي (399_470 ق. م) وآبيخارموس Epicharmos حوالي (460_550ق. م) وكزينوفون xenophones حوالي (470_580 ق م ) وكراتيس krates حوالي (320 ق. م). حيث يخدم كل عرائس الفن بالحماسة نفسها. فوضع مؤلفات عدة في الفلسفة والتاريخ والموسيقى والشعر والنحو والحساب وعلم الفلك، وعلم وظائف الأعضاء، والعلوم الطبيعية والفلاحة، وعلم الأسماك وغير ذلك، لدرجة أنه اتهم بالشعوذة وأنه كان غريب الأطوار. لكن لم يصلنا من خطبه ورسائله وأشعاره وكتاباته الغنية والعلمية الكثيرة إلا القليل نسبيًّا.

تدور أحداث روايته حول شاب يدعى لوكيوس، كان يحلم بأن يتحول إلى طير عن طريق السحر، لكن خطأ في اختيار المرهم السحري أدى إلى تحوله إلى حمار. لتبدأ بذلك رحلة شقائه ومغامراته التي تنتهي بعودته لصورته الآدمية، لكن ما بين التحولين لا يكون الحمار مجرد دابة تعامل بقسوة من قبل الإنسان، بل أيضًا كان شاهدًا على سلوك هذا الإنسان وقيمه وعاداته وتقاليده. ومن خلال هذا يرسم لنا المؤلف على لسان الحمار وذكرياته صورة يجتمع فيها الجد بالهزل عن عالم الحضارة الرومانية، بدءًا بعصابات اللصوص ودناءة الرهبان الوثنيين، وانتهاءً بقسوة السادة على العبيد في عصر مريض ومضطرب. يعبر تحول لوكيوس إلى حمار عن فكرة المسخ الحيواني والعقاب القاسي لكل متطفل فضولي لم يرضَ برزقه وبشريته وإنسانيته، كما يحيل على ذلك الجزاء الذي يستحقه الزناة ومنحطو الأخلاق. ذلك أن لوكيوس كان سيدخل في علاقة غير شرعية مع خادمة مضيفه ميلون، ويدل هذا المسخ على انحطاط الإنسان وعدم سموه أخلاقيًّا، ولن يعود البطل إلى حالته البشرية إلا بعد التوبة والدعاء باسم الآلهة والتخلص من نوازعه وانفعالاته البشرية العدوانية وتدخل الآلهة إيزيس لذلك نلقى الكاتب يشيد بإيزيس الآلهة المخلصة وبالديانة الشرقية، وفي الوقت نفسه يسفه الديانات الرومانية وانحطاطها الأخلاقي. وقد أشار  هذا التحول الفانطاستيكي إلى معنى رمزي يجسد انحطاط الإنسان ونزوله إلى مرتبة الحيوان حينما يستسلم لغرائزه وأهوائه الشرقية وانفعالاته الضالة، بيد أن النجاة في الرواية لن تتحقق سوى عن طريق المحن والابتلاءات والاختبارات المضنية، والاستعانة بالتوبة واسترضاء الآلهة.

إن الإنسان الذي يشبه البهيمة، ولا يفكر سوى بطعامه ومنامه وشهواته الجنسية، ولا يحمل فكرًا آخر سوى هذا الهوس، تكون روحه بهيمية ليس أكثر. وحقيقة الأمر أن باطن هذا الإنسان وفطرته قد مسخت كليًّا بما فيها خصاله البشرية والإنسانية وكسب بدلًا منها وبإرادته خصال الحيوان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد