لديك شركة، رأس مالها مبني على علاقاتك بطرف قوي! الآن هل من المعقول أن تقطع علاقتك مع هذا الطرف القوي؟ طرف يبيض للشركة ذهبًا! بالتأكيد سوف تسقط الشركة في اليوم التالي إذا فقدت تلك العلاقة، وعليه لن تقطع العلاقة إطلاقا.

 

 

 

 

 

هو مثال بسيط يقول لك: لماذا يجب أن تبقى داعش لفترة طويلة جدًا في منطقتنا! لماذا يحرص كثيرون على أن تبقى لفترات زمنية قد تصل إلى ثلاثين عامًا، دعنا نقرب الموضوع أكثر.

 

 

 

 

يستمد معظم من هم حولنا، سواء كانوا من “دول الإقليم” أو شركات النفط، أو الجيوش، أو أجهزة المخابرات، أو وسائل الإعلام، مليشيات ورجال مال ورجال سلطة، يستمدون قوتهم من علاقتهم مع أمريكا!

 

 

 

 

بعضهم يستمد قوته من إشهار العداء لأمريكا مثلا، دعنا نقول إن داعش وأمريكا من محاور الصراع الأساسية في تقسيم وجهات العالم، ولأن العالم يتجه ضد داعش، فإن أمريكا الحالف الأكبر لهذا العالم دومًا، يمكن وصف ذلك بما يعرف “بالضد النوعي”.

 

 

 

 

 

أنت تعرف بأنه لا توجد دولة في العالم إلا وتدين بالولاء كله أو بعضه لأمريكا هذه الأيام، أقرب الأمثلة إيران ما بعد النووي، أمريكا العدو وأمريكا الصديق! ليس مهما “العدو والصديق” بقدر حفظ الطريق إلى أمريكا سالكًا.

 

 

 

 

 

وحتى يبقى الحبل مربوطًا دومًا، ويمكن للجميع أن يحافظ على العلاقة مع أمريكا، كانت بوابة “داعش” نموذجًا رائعًا للاستمرار. لا يظهر عندنا ولو مع دولة واحدة على الأقل، أنها تريد أن تكون علاقتها طيبة مع داعش، لا دولة، ولا حتى مدينة من المدن، الأمر كان محسومًا  لصالح أمريكا التي ترعى التحالف الدولي لمقاتلة داعش، لكن الأمر يتغير بشكل من الأشكال.

 

 

 

 

 

 

راقب العالم تشكل المحور الجديد هذه الأيام، وهو بالمناسبة لمقاتل داعش نفسها، من باب عدو عدوي صديقي كما يقال، المحور الجديد يتشكل في الإطار ذاته، محور روسيا سوريا العراق إيران ولبنان ومن سيأتي لاحقًا، ليجعل من داعش “دجاجة تبيض ذهبًا من جديد” لهذا الحلف، تمامًا كما كانت لحلف أمريكا.

 

 

 

 

 

 

ليس من المعقول أن هدف هذا المشروع المعلن هو داعش، داعش كانت سبب وجوده الأساسي، كانت الغطاء السحري الذي يشكل كل المشاريع الأمنية العابرة للإقليم والقارات، لكن الحلف في النهاية لن يهتم بإنهاء داعش، ربما سيهتم أكثر بتصدير النسخة الرابعة من داعش وأخواتها.

 

 

 

 

 

كما أنه ليس من المعقول أن حلف أمريكا لمحاربة داعش كان هدفه داعش وحدها! هذا ما يسوق في الإعلام، لكن الحقيقة مختلفة بلا شك، إنه حلف يضع بين عينيه منطقة السيطرة والتحكم، يضع كذلك تدفق النفط والاقتصاد والصراع ولعبة الخيوط.

 

 

 

 

 

داعش هذه من الممكن أن تكون “مجرمة” فيتقرب لأمريكا بها من حصل ضده الإجرام، يمكن حاليًا أن يتقرب لروسيا بعد مركز المعلومات الجديد.

 

 

 

 

 

يمكن أن تكون داعش “جهازًا أمنيًّا” فيتقرب صاحب الأمن بمعلوماته لأمريكا عنها فيتقرب بها للدولة الأولى في العالم، وإن أبت أمريكا يتقرب بمعلوماته لروسيا وأخواتها.

 

 

 

 

 

 

ممكن أن تكون “اقتصادًا” فيشتري بشار وإيران وتركيا نفطًا منها بسعر التراب! أو تدمر داعش اقتصاد منطقة ما بتفجيراتها فتجعل يد تلك الدولة ممتدة للغرب حتى الكتف! وربما مصر مثالًا، فولاية سيناء فرصة رائعة ليمد السيسي يده لطائرات فرنسا وأمريكا.

 

 

 

 

 

ممكن أن تكون داعش سببًا وشماعة للأخطاء! يقول العبادي مثلا إن سبب فشل إصلاحاتي هو داعش!

 

 

 

 

 

 

ممكن أن تكون مصيدة! فيهرول لها جهاديون من كل الدنيا لدفع شرهم عن بلدانهم الأصلية، ولزرع جواسيس جدد، وما أكثرهم بيننا هذه الأيام.

 

 

 

 

 

 

 

الحديث العريض عن “مقاتلة ” داعش، يدخل كذلك في هذا المزاد الذي لم يعد سريًّا.

 

 

 

 

 

 

 

ثمة درس سهل جدًا في معنى السياسة! ما يقال بين الجدران في مؤتمرات السياسيين، ويبقى حبيس الجدران، فإن أهميته صفرية! سواء كان في المدح أو الذم، لأنه بقي كلام فيه بعض الصدى، من غير أفعال.

 

 

 

 

 

لكن ما يخرج للميدان، يخرج للأرض، يؤثر بالأرض حقًا، هو الذي يمكن البناء عليه، هو وحده يمكن أن يقودك للفهم الحقيقي وليس الإعلامي.

 

 

 

 

 

 

 

ما يجري في الأرض هو “جدولة” المعركة مع داعش لاستمرارها فترة زمنية طويلة، بحيث لا هزيمة ولا انتصار، إنها أشبه بلعبة بقاء الحال على ما كان عليه، والاستفادة القصوى من بقاء الحال.

 

 

 

 

 

تذكرني قصة الظاهر والباطن من الأشياء بشركات النفط التي قالت للعراقيين سنأخذ دولارًا واحدًا على استخراج برميل النفط لقاء استخراجه بعقود خدمة، وبعد أن فتحت العيون على العقود بمرور سنتين فقط، تبين أن هذا الدولار يضرب في عشرة من خلال شروط الجزاء.

 

 

 

 

 

ما يجري في المعركة على داعش، أن التحالف الدولي بقيادة أمريكا لا يبدو جادًا في “البر” بينما له انتقاء خاص بطلعات الجو، لاحظ أن أمريكا لم تسلح “جنديًّا واحدًا” لمعركة الموصل مثلا، لاحظ قطع السلاح المتواضعة جدًّا، التي أعطيت لمئات فقط على تخوم الرمادي، والمعركة تتطلب عشرات الآلاف!

 

 

 

 

 

 

على الأرض، الوقت ليس مهمًا، وبقاء داعش في المناطق ليس مهمًا، المهم هو “خدمات ما بعد البيع” المهم هو “هامش داعش” الذي يحرك السياسة والأمن والعلاقات، وهو من باب أولى “شماعة للفاشلين”.

 

 

 

 

 

بكل سهولة، عقارب الساعة لا تركض في المنطقة، لأن الدجاجة تبيض الذهب الخالص، من عيار 24 لمعظم اللاعبين! واليوم عند داعش ليس 24 ساعة! يمكن أن يكون يومًا مفتوحًا بلا ساعات وبلا زمن، لأنها باقية، لكن تمددها يرتبط بجدولة النصر والهزيمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد