الانتهازية كعدوى ستقضي على الإنسانية

حب الخاتم ولعنة الحب المادي الذي استحوذت على روحه جعلته في الأخير مسخًا، لا هدف له سوى الحصول على الخاتم مهما حدث. هكذا صور الروائي البريطاني تولكين كائن الغولم في روايته الملحمية سيد الخواتم.

لقد حصر الغولم حياته في هدف مادي وهو الحصول على الخاتم بأي ثمن، ولأنه ضعيف البنية وذو شكل غير مقبول، فإنه لا يستطيع تحقيق غايته المادية بقدراته الخاصة، لهذا يلعب دور الخادم المُطيع للشخص الذي يحمل الخاتم، ويعمل بطريقة وصولية للحصول على ما يُريد.

إن حياته مُتعفنة، وكأنه خرج من المستنقع، إن كينونته السيكولوجية مرتبطة بالخاتم كهدف في حد ذاته، فهو لا يأبه بشيء ولا بأحد غير الحصول على الخاتم، فلا يُهمه ما يحدث لكرامته، فحتى وإن تعرض للسب والشتم والضرب، لا يتخيل موقفًا من ذلك، وإنما يظل متشبثًا بما يُهمه فقط، وهو الوصول إلى ما يرغب فيه، إنه يتخلى عن الكرامة من أجل هدف مادي.

حياة مُتدَنية ومقيتة لكنها مقبولة من طرف، إلى درجة أن نفسيته انقسمت لشخصيتين، لقد أُصيب بشيزوفرينيا عاطفية، فتارة يظهر بصفة البريء حين يكون أمام السيد، وهي صورة مسالمة، وتارة يظهر بصورة المتوحش الذي يمكن أن يقوم بجريمة القتل لتحقيق هدفه المادي المتعفن.

إن الغولم حقًا كائن انتهازي، ولكن ليس خياليًّا بل هو حقيقي، إنه يتجول بيننا في أي مكان داخل مجتمعاتنا، إلا أننا لا نراه لأنه استطاع مع تطوره الذهني، أن يحصل على الجسد البشري كمركبة له داخل المجتمع حتى يُصبح مقبولًا اجتماعيًا. فهيئته الحقيقية مُنفرة ولا تتمتع بمقبولية، لهذا اتخذ من الشكل البشري لباسه، حتى يستطيع الاندماج بيننا كبشر.

بالطبع، ففي كل علاقة اجتماعية يوجد غولم يختفي داخل جسد إنساني، ويرتدي ملابس اجتماعية تُضفي عليه القبول وعدم النفور. إنه يسكن جسدًا ما كطفيلي فضائي. لقد استطاع الغولم الاستحواذ على أرواح الناس، وأفرغها من قيمها الإنسانية، وجعلها ترتبط بأهداف مادية، ولكن اتسعت رقعة هذه الأهداف من الرقعة الضيقة المحصورة في الخاتم إلى الرُّقعة الواسعة التي تشمل كل الماديات في عالمنا الحالي، من مال وسيارات ومناصب ومجوهرات ومنازل فخمة.

ومع ذلك، حتى وإن استطاع هذا الكائن المثير للاشمئزاز أن يختفي داخل أضلع الجسد ولحمه، فإن سلوكه يُؤكد كينونته اللعينة، فتجده مدحورًا خائفًا وخادمًا مطيعًا، ينحني برأسه أمام سيده بخنوع وانبطاح مهين، ولكن حين يبتعد من أمامه فإنه يظهر بصفة المقاتل الشجاع، الذي يملك درعًا فضيًا لامعًا ومطرقة ثور.

لا يجب الثقة في الغولم، ينبغي ممارسة القطيعة الاجتماعية الاحتقارية ضده، فهو لا يتبنى المبادئ الإنسانية التي يتبناها الإنسان الراقي، وإنما يعمل على استغلال المبادئ الإنسانية من أجل تحقيق هدفه المادي المحصور في الدورة الأبدية، والتي تجعله كائنًا متعفنًا كأنه خرج من مستنقع الجثث النافقة. إنه يختفي حين يحدث الصراع، ويخرج بعدها للظهور مع الفائز، إنه دائمًا مع الأقوى، إنه تابع للفائز، ولا يكون فائزًا أبدًا، فهدف المادي سيتحقق ولكن ماذا بعدها، لا شيء مجرد كينونية مثير للاشمئزاز. فهل هذه هي الحياة التي يمكن للإنسان أن ينشدها؟ هذا السؤال لا معنى له عند الغولم.

لا يمكن للغولم أن يتبنى الغايات السامية، أو أن يعمل على الالتزام بها لتحقيقها، ففي قاموسه لا وجود لمصطلح الكرامة، لهذا لا يمكنه أن يفهم معناه كمفهوم إنساني، بل سيتخلى عن قيمته من أجل هدفه المادي، لهذا هو انتهازي لأنه سيكون معك إن كان لديك الخاتم، وسيخونك إن حصل شخص آخر على الخاتم. ونعلم أنك كسيد للخاتم لا تأبه بالخاتم وإنما هدفك هو هدف إنساني.

إذن الغولم ينشر لعنته ويستحوذ على الأجساد البشرية ليجعل من الأرض أرض الانتهازيين، مما سيقضي على الضوء الخافت للإنسانية التي توجد داخل كل إنسان، فالغولم عدو الإنسانية، فاحذروه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإنسانية
عرض التعليقات
تحميل المزيد