إن من أشد أنواع الفتن التي قد يتعرض لها المخلصون هي تلك التي يجري فيها الحق على لسان المفسدين، ويرتفع فوق أسِنَّة رماحهم، وينتصر بسيوفهم؛ ولا يدري فيها المخلصون حقًا ماذا ينبغي عليهم فعله؛ فهم يومئذ بين نارين، هل ينصرون الحق أينما كان متغافلين عما وراءه، فيصيروا أداة في يد المفسدين؟ أم يفسدون تدبير أولئك المفسدين فيرفضون الحق ويتمسكون بما هم عليه من باطل؟!

ولا تحدث تلك الفتنة ابتداءً إلا بعد أن يمهد لها أهل الإخلاص أنفسهم، إما بتكاسلهم عن إظهار الحق، وإما بتكاسلهم عن مواجهة الباطل؛ وما حدث في السعودية من السماح للمرأة بالقيادة خير مثال على ذلك.

أصل تلك القضية لا يعود إلى قرار السماح الصادر أخيرًا، وإنما يعود إلى القرار القديم بالمنع، ذلك القرار الذي صدر ودام عقودًا متتالية، متحديًا العقل والمنطق والفطرة، وضاربًا صورة من أسوأ الصور التي ظهر بها الإسلام في العصر الحديث!

فالسادة القدامى أصحاب قرار المنع ألصقوا قرارهم لصقًا بالإسلام، وساقوا لتبريره حججًا أقل ما يقال عنها إنها سوءة للإسلام ومسبة للإنسانية. فما بين قائل بأن تصدر المرأة للقيادة يعرضها للفتن، وآخر يؤكد أن حركات القيادة قد تثير لدى المرأة مكامن الشهوة (ولا أدري حقًا كيف يثير «الدركسيون» و«عصا الفتيس» مكامن الشهوة لدى المرأة أو حتى الرجل)! إلى آخر أكثر فقهًا وحصافة ومراعاة لمبادئ الضرر والمنفعة وهو يؤكد أن جلوس المرأة للقيادة يؤثر على عمودها الفقري والمبيضين، ما يضعف من قدرتها الإنجابية!

أما السادة الجدد، أصحاب قرار السماح، فلا يخفى على أحد توجههم العلماني القح، ولا يخفونه هم أنفسهم في الحقيقة ولا يتوارون وهم يقفزون إليه قفزًا. وليت توجههم هذا باعثه الرغبة في الحداثة أو النهوض بالمجتمع (مثلما قد يتبنى بعض المفكرين والمثقفين)، وإنما باعثه الأوحد هو الدفاع المستميت عن العرش، ذلك الهدف الذي تآمروا بسببه على ثورات الربيع العربي قاطبة، ودعموا الأنظمة المستبدة حتى تم القضاء على الثورات جميعها؛ وتدافعوا لأجله بسرعة الصاروخ نحو التطبيع والزيارات السرية المتبادلة مع العدو الإسرائيلي؛ ودفعوا فيه الثمن باهظًا بالعمالة الكاملة للقوى الدولية، وأسلموا لها المجتمع لتنفيذ أجندتها فيه على حساب الدين والوطن جميعًا.

وهنا يجد البسطاء والمخلصون أنفسهم بين نارين – كما قلنا -: فهل يفرحون بقرار السماح الذي يرفع السبة والسوءة عن دينهم وإنسانيتهم، متغافلين عن كونه بداية لعلمنة المجتمع ومسخ هويته وتسليمه لقوى الاستعمار الجديدة؛ أم يتصدون لتلك الهجمة الخبيثة في بدايتها ويتمسكون بقرار المنع القديم، فيرضون بالجهالة ويرسخون في الأذهان تلك الصورة المشينة للإسلام وأهله؟!

مأزق كبير بالفعل أمام المخلصين، وفتنة قد لا يجدون لهم فيها مخرجًا. والأخطر والأكثر إيلامًا أن تلك الفتنة ليست مفردة أو استثنائية، وإنما هي حدث متكرر يكاد يطل برأسه علينا كل يوم، بل حتى أكثر من مرة في اليوم الواحد!

وما زلت أذكر فترة نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثانية، حين تصدى المجلس القومي للمرأة بمصر (مجلس سوزان)، ذلك المجلس الذي أنشأته وترأسته سوزان مبارك كخطوة عملية لتفعيل ميثاق «المؤتمر العالمي للسكان» بدورته التي عقدت في القاهرة آنذاك، تصدى لقضايا اجتماعية راسخة مثل «منع ختان الإناث» و«استحداث قانون الخلع»، وكيف خاض معارك ضارية ضد الأصوليين والمخلصين وبسطاء المجتمع أنفسهم، قبل أن يعي الجميع أن المجلس محق بالفعل فيما يدعو إليه، وأن ما يحاربه بالفعل هي أشياء لصقت لصقًا بالإسلام وما هي من الإسلام في شيء!

وقتها وقف المخلصون والبسطاء نفس هذا الموقف الذي نقفه الآن من قضية «قيادة المرأة للسيارة»، موقف الحيارى، إذ كيف يدعمون المجلس فيما يدعو له وهم يعرفون هذا المجلس جيدًا ويعرفون من أنشأه والهدف الحقيقي من وجوده وما قد يترتب على إعلان فوزه في تلك الجولات، وفي نفس الوقت كيف يرفضون ما يقوله وقد تبين لهم أنه الحق وأنه الأوفق والأصلح لهم؟!

فتنة عظيمة، وإشكالية كبيرة، ستظل تطل برأسها علينا من حين إلى آخر طالما ظلت مسبباتها وبواعثها؛ وسيظل المفسدون يرفعون الحق – أحيانًا – على رؤوس رماحهم، طالما ظل المصلحون متقاعسين عن حمله بأنفسهم؛ وسيظل البسطاء والمخلصون حيارى بين تجرع السم أو تحمل الحنظل!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد