كان المصري القديم اجتماعيًا بطبعه، عرف قيمة الصاحب الحقيقي والصديق الوفي، وعرف أنه من الندرة بمكان، ولذا فقد حث على البحث عنه والتمسك به، ووضع لذلك قواعد وأصول يجب الالتزام بها من أجل الوصول إلى ذلك الصاحب الوفي؛ فها هو الحكيم بتاح حتب يوضح لنا كيفية اختيار الصديق من خلال تلك النصائح الرائعة التي يقدمها لابنه، والتي يقول فيها: إذا كنت تبحث عن أخلاق من تريد مصاحبته، فاقترب منه، وكن معه منفردًا، وامتحن قلبه بالمحادثة، فإذا أفشى شيئًا قد رآه، أو أتى أمرًا يجعلك تخجل له، فعندئذ احذر حتى أن تجاوبه، وكن صبوح الوجه ما دمت حيًا.

ويستمر في نصائحة القيمة تلك، فيبين لابنه دوره نحو صديقه، فيدعوه إلى عدم كشف أسراره قائلًا: تخير جيدًا أصدقاءك، ولا تؤاخ خادم رجل آخر، ولتغض النظر عما يجانب الصواب في بيت أجنبي، فإذا رأته عيناك فاسكت ولا تقله لغريب، واحترس من أن تكشف أسرارًا وإن قالها رجل في بيتك فتظاهر بالصمم.

كما يدعو الحكيم آني إلى حسن اختيار الصديق، فيقول: ابتعد عن الرجل الشرير، ولا تتخذ منه صديقًا، وتخير إخوانك بعد أن تبلوهم وتتحقق من صدقهم واستقامتهم، وتجنب من كان سيئ السيرة.

بل حذر الحكيم بتاح حتب ابنه ليس بالابتعاد عن الصديق السيئ فقط؛ بل دعا بالابتعاد عنه ونبذ كل من ساءت تصرفاته حتى ولو كان ابنه، فيقول: إذا ضل ولدك وخالف نهجك ولم ينفذ تعاليمك، وساءت تصرفاته في دارك، وتحدى كل ما تقوله، وتدنس فمه بقول قبيح فانبذه فإنه ليس ولدك، ولم يُولد لك، انبذه، واعتبره شخصًا مقتته الأرباب ولعنت خطاياه.

ويستكمل بتاح حتب نصائحه لابنه في هذا الجانب، فيقول: لا تحترم شخصًا بذله، ولا تجهدن نفسك لتبحث عن مساعدته، ولا تقبل الرشوة من أحد ولا تخجل أمام أحد وتحني رأسك له، ولا تلقي بنظرك لأسفل، وأقرئ الناس السلام.

وختم نصائحه تلك بقوله: اتبع لبك ما دمت حيًا، ولا تفعلن أكثر مما قيل لك؛ لأنه مكروه عند النفس أن ينقص من وقتها.

أما الملك امنمحات الأول فينصح ابنه سنوسرت الأول – خلال عصر الأسرة الثانية عشرة – قائلًا له: لتكن حارس نفسك عندما تنام؛ إذ ليس للرجل أصدقاء في ساعة الشدة.

ومن أجل ذلك كان حسن اختيار الصديق والتعامل مع الغير من الأمور التي يتفاخر بها المصريون القدماء، وها هو أحد حكمائهم يتفاخر بأنه ذو خُلق حسن؛ فيقول: لم أنتهك حرمة بيت أحد من الناس، ولم تكن عندي أرملة حزينة، ولم أنزع ملكية أرض أحد الفلاحين، وما كان هناك رجل تعيس بين رجالي، وما كان هناك جائع واحد في عهدي.

والعجيب أن بعض حكماء المصريين القدماء حثوا على حُسن التعامل مع الغير حتى ولو كان هذا الغير هو الحاكم الظالم، بل اعتبروا أن مهادنة المسئول خلق كريم يجب أن تتحلى به الرعية؛ فها هو أحدهم ينصح ابنه بالرضوخ وعدم مناهضة المسئول. فيقول: أمّن ظهرك لمن هو أعلى منك، وبذلك يبقى بيتك بخيره، وتتسلم مرتبك في حينه، ومقاومتك لمن في يده السلطة قبيح، والإنسان يعيش ما دام متساهلًا!

وقال آخر: إذا كان رئيسك فيما مضى من أصل وضيع فعليك أن تتجاهل وضاعته السابقة، واحترمه حسبما وصل إليه؛ لأن الثروة لا تأتي من تلقاء ذاتها.

ولم يكن الرضوخ للمسئول اتجاهًا عامًا عند المصريين القدماء، فها هو الملك خيتي الرابع أحد ملوك أهناسيا، يقدم تعاليمه لابنه مري كا رع يوصيه فيها بحسن معاملة كبار الموظفين، ويختمها بقوله: ليتك تصل (أي إلى العرش) دون أن يتهمك أحد، لا تقتل أحدًا ممن يقفون بالقرب منك، بعد أن تكون قد امتدحته والرب يعرفه، دع الدنيا كلها تحبك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد