مازال الحكم في العالم العربي والإسلامي مسألة محظورة، غير خاضعة للدرس والبحث وغالب من يتناول هذا الأمر الخطير يعالجه بعقلية اغترابية عن الواقع.

 

بين مفهوم مبسط سلفي يعيش الماضوية وتخاصم الواقع، وبين علمانية تهرب من الواقع الى عالم آخر. وكلا الاتجاهين السلفي والعلماني يشتركان في إقصاء الإنسان والقفز فوق الراهن والاحتماء بزمن ومكان غريبين.

 

ومع أن أي مجتمع لابد له من سياسة تحكمه وسلطة تديره إلا ان البلاد العربية خضعت لمفهوم الأقوى، وليس الأصلح سياسياً، وهذا ما طحن المجتمع وحوله إلى خنادق قابلة للاشتعال بأية لحظة، إن الإنسان مدني بالطبع، أي لابد له من الاجتماع والونس والاستئناس بمن حوله، ولابد من سلطة ضابطة لسائر العلاقات ، فكل مجتمع يستحيل حمايته دون سلطة، ويستحيل بقاء الانتظام دون حاكم عام.

وفي مقالي هذا مقاربات بسيطة لمفهوم الحكم الرشيد وأدواته وآلياته.

 

ما هو الحكم الرشيد؟

 

إنه الحكم الذي يحكم فيه الشعب نفسه بنفسه ويكون صاحب السلطة فلا يفرض عليه قانون ولا تشريع لم يشارك فيه. إن سيادة الشعب، وإن شئت سمها (إمامة الشعب)، تمنح المجتمع سن القوانين والنظم والقواعد والتشريعات التي يطيقها ويخضع لها بحرية كاملة وحقيقية.

 

الحرية الكاملة

 

الحرية لا تعني الانفلات من القوانين أو الخروج على القواعد والنظم، وإنما هي مضارعة ومطاوعة القانون الذي وضع بإرادة حرة فلا ملزم ولا موجب سوى الإرادة الحرة كما قال كامب: “الاستقلال الذاتي للإرادة أن أحدد نفسي بنفسي”. فالحرية هي التحديد الذاتي، أن أحكم نفسي بنفسي.

في ظل نظام الحكم الرشيد الثابت غير المتحول حقوق الانسان حقوق مقدسة، ومع انها مبادئ أخلاقية، لكن لا يجوز التعسف في استخدامها، لا يجوز هذا أخلاقياً ولا قانونياً.

تقرير أن الإنسان حر ونقف عند هذا الحد أمر غير مقبول، لابد من تقييم معنى الحرية، فالحرية هي ما تجيزه القوانين، وعندما يتم وضع الحقوق في صورة قوانين تنتقل من الذاتية والعفوية والمزاجية إلى الموضوعية، ومعنى ذلك أنها بحاجة إلى رحم ونسيج اجتماعي ينظم سلوك الجماعة أي ما نسميه النظام السياسي.

 

رفعت الثورة الفرنسية شعارات ومفاهيم أخلاقية: الحرية المساواة العدالة الإخاء. لكن هذه المفاهيم كانت بلا تقنين فساد على حد قول هيجل: قانون الاشتباه، وبدأت المقصلة تشتغل بحرية مع الرافضين لهذه المفاهيم، ثم مع المعارضة، ثم مع من هم مشتبه أنهم معارضة، وغرقت فرنسا في بحر من الدماء. والسبب استخدام مفاهيم أخلاقية في مجال السياسية التي يجب أن تسودها القوانين. يذهب جيفيرسون إلى أن الديمقراطية حقائق واضحة، لأنها ترتكز على حقوق الإنسان الأساسية وهذا يعني أن الديمقراطية ضرورة حتمية تتناسب مع ماهية الإنسان وطبيعته.

 

غاية الحكم الرشيد:

 

إنه حكم يتيح تكوين المواطن الصالح المصلح.

 

من هو المواطن الصالح المصلح؟

 

إنسان حر عرف الحق وخالف الزائف، ولم يدع امتلاك الصواب لوحده، واجتنب النفاق والكذب، والتزم حقوق الناس ورعى مصالحهم، وحرم على نفسه الأنانية والنرجسية والنفعية الذاتية التي تضر بالآخرين.  إنه المواطن الذي يبني حكماً لا تزعزعه الطائفية ولا التحزبات ولا الانقلابات العسكرية ولا تيارات العصبيات البغيضة.

 

ما الهدف من البناء السياسي؟

 

  • إن هدف البناء السياسي هو إعداد الانسان الحر وذلك من خلال رعاية مصالحه وتمكينه من تنمية قدراته وملكاته حسب الظرف والطاقة ومن غير منع أو ضغط أو إكراه، بل مِن خلال زرع المناعة الذاتية التي تحول الخلاف إلى مادة ثرية مِن خلال المناقشة والإقناع، وليس التنكيل والقمع والإرهاب، ويستعاض عن الرصاص وسلاسل السجان بصناديق الاقتراع والانتخاب الحر وتحل الحقوق والواجبات بدل إملاء الأجهزة الأمنية.

 

  • تحقيق الحقوق الطبيعية للإنسان، وهي: حق الحياة والرعاية، حرية التملك، المساواة، التفكير بلا وصاية، حرية التعبير.
  • لا يجوز منع أو إكراه أي أحد على تبني رأي مخالف إلا إذا مَس القانون الذي توافق الجميع عليه.

هنا تبرز إشكالية خطيرة.

هل يحق للبناء السياسي أن يلزم المواطن باختيار الطريق الذي يسلكه في الحياة؟

 

 نقول: ليس من حق البناء السياسي أن يمارس أي تطويع لإرادة الناس، وإنما يسهم في بناء إنسان حر يعمل حسب الوسع والطاقة والرضا، ويشير بحسب رأيه دون تركيع أو تطويع أو تجويع ومن دون عصا السلطان، أو التحكم في نوافذ الخير والرزق للناس.

 

ومن نافلة القول أن نذكر أن المدينة الفاضلة وحلم الفارابي وأفلاطون ليست أهدافاً مشروعة للبناء السياسي، كما أنه ليس من مهمة البناء السياسي تصدير الناس للآخرة أو إجبارهم على دخول الجنة، إن ذلك من مهمات المؤسسات الدينية في المجتمع الحر. كل إنسان مسؤول عن نفسه {بل الإنسان على نفسه بصيرة}.

 

إذاً، ما هي صيغة النظام المقترحة للبلاد العربية والاسلامية؟

 

إنه النظام الديمقراطي الليبرالي، لكن لابد من تحديد بعض النقاط المفصلية:

  • مجال الأخلاق سلوك الفرد ـ
  • مجال السياسة سلوك الجماعة.

 

إن الخلط والدمج وعدم التمييز بين الأشياء هو علامة لا تنكر على التخلف.  التطور الثقافي للإنسان انتقل من الدمج والتجانس إلى التمايز والتخصص.  لقد كانت الأخلاق مع القانون والدين مدمجة كلها في كتلة واحدة تمثلها العادات والتقاليد. في المجتمعات  البدائية لم يتمتع الفرد بأية حقوق، بل خضع للعادات والتقاليد التي كانت تفرض عليه واجبات، لكنها بنفس الوقت شلت حريته وقولبت سلوكه وحولته من مفكر إلى شيء جامد.

 

ثم حل القانون محل العادات والتقاليد وظهرت الكتابة وظل التطور يحكم الرؤية الإنسانية من أجل إثبات ما يصلح للبناء والعمران. لكن بقي الخلط قائماً بين الأخلاق والسياسية ولم يظهر بعد مصطلح الباحث الجاد الذي يفاخر بالتخصص الدقيق، ومن هنا جاء المثل الإنكليزي الشهير الذي يقول: “إن ذاك الذي يعرف كل شيء لا يعرف شيئاً قط”. وعلى الرغم من أهمية التخصص إلا أن كثيراً من النظم السياسية والحضارات المتعاقبة نلاحظ أنها بقيت تستبطن المزج بين الأخلاق والسياسة.

 

فالحاكم في نظر التراث هو ظل الله في الأرض أو هو رأس الدولة فهو النموذج والقدوة ولذلك نلاحظ جل الاهتمام في معظم الفلسفات القديمة يتركز على تربية الحاكم الصالح وليس على القوانين الناظمة.

 

وهذا خطأ فالناس على دين دساتيرها والأخلاق حتمية طبيعية لشكل الحكم، لا العكس. حتى الدين لا يزدهر في مجتمع مريض الأخلاق، والشخصية المتوازنة لا يمكن أن تظهر إلا في مجتمع مارس حقوقه السياسية وسائر حقوقه الطبيعية على نحو كامل. وإذا اختل هذا الشرط فإننا قد نجد أصواتاً وهتافات تقول :

 

بالروح بالدم نفديك يا أبو الجماجم. وعند أي اختبار يفرون بأرواحهم، وفي اللحظة الحاسمة يتنصلون من حاكمهم. لابد أن نشير إلى أن ظلم الداخل يولد قهر الخارج، وأن قهر الخارج يتولد من رحم الاستبداد الداخلي. إن غرق المدن بامطار عادية لا يمكن تفسير ذلك على أنه قضاء وقدر بل هو فساد في راس الحكم ، إن هدر المال وشيوع التسول وضياع الفرص وهدر الكرامة لا يمكن أن نعالج كل تلك المظاهر الفاسدة دون إصلاح الرأس، إن بروز التطرف وغرق المجتمعات بالمجانين والمتطرفين سبب الانحراف السياسي.

إن الحاكم الفاسد سبب كل فساد وكل سلطة مطلقة مفسدة مطلقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد