هل يمكن للمرء أن يظل مسلمًا جيدًا في عالم سيئ؟ أو إن كنا سنطرح السؤال بشكل آخر، هل يبقى المسلم جيدًا بمجرد تأقلمه وتماشيه مع شروط سيئة يتصف بها واقعه؟

سؤال يدور في ذهن كل مسلم كلما اشتدت وطأة الحياة ومفاتنها، وحُرِّفت المفاهيم الدينية عن مقاصدها.

ولكن هل هذا السؤال يتعلق بزماننا هذا فقط؟ لا طبعًا، فكل زمان له مصاعبه ومساوئه الخاصة به، وربما عودة منا إلى بداية الإسلام والمسلمين الأوائل في ذاك الزمان، سيتيح لنا الإتيان بقبس من نور حياتهم يضيء عتمة واقعنا المظلم.

إن المتأمل في حياة الصحابة الأوائل وظروف المعيشة التي كانت تحيط بهم، والفتن التي كانت تعترضهم، والأشواك المدمية التي كانت تحف دربهم، سيدرك مدى التشابه بين واقعنا وواقعهم، وسيتبين له أن أوجه الاختلاف تنحصر في الشكل والأسلوب لا غير.

إذًا، كيف استطاعوا البقاء كمسلمين جيدين رغم رداءة واقعهم؟ بل أصبح الواقع بعد سنوات من النضال مسخرًا لهم، بحيث خلقوا شروطًا تتناسب مع إسلامهم؟

النقطة الفارقة هنا هو مفهوم النضال للبقاء كمسلم جيد في واقع سيئ، فبينما يتمثل النضال بالنسبة لنا عبر التمسك بالتعاليم الدينية والعيش كأفراد صالحين في المجتمع، كان نضال المسلمين الأوائل – إلى جانب التمسك بالدين وكونهم صالحين – يتمثل في كونهم مصلحين أيضًا في الوقت ذاته، وهنا أضع ثلاثة خطوط تحت كلمة (مصلحين)، فالأمر بالنسبة لهم لم يكن مجرد تقبل الواقع ومحاولة التعايش معه ولو كلفهم هذا التنازل عن بعض قيمهم ومبادئهم الدينية لتناسب واقعهم.. لا، بل كان لهم موقف ثابت تجاه هذه المعوقات والظروف التي تعترضهم، فكانوا يصلحون من أنفسهم أولًا، ويحاولون إصلاح ما يقف عائقًا بين تأمين حياة حرة كريمة لأنفسهم وللآخرين أيضًا.

أي بمعنى آخر، كي نستطيع البقاء كمسلمين جيدين في عالم سيئ، لا يكفي أن نلتزم بأداء العبادات واجتناب المحرمات لننجو بأنفسنا، تاركين من حولنا يسقطون في هوة الانحراف والفساد، بل يتعين علينا أيضًا أن نحسّن ونصلح السلبيات التي تعتري واقعنا. ولو كان الإسلام يتمثل في كون المسلم الجيد صالحًا فقط لا مصلحًا أيضًا، لكنا في مواجهة مع سؤال عن سبب كون العالم سيئًا مع وجود عدد كبير من المسلمين الجيدين!

إن الأمر يبدأ أولًا بوعي وإدراك مدى سوء العالم الذي نعيش فيه، وألا يخدع المرء نفسه بأن كل شيء على ما يرام، وهنا أستعير قلم الكاتب أحمد خيري العمري حين تحدث عن هذا الأمر قائلًا: الله لا يزيف لنا الواقع كي يجعلنا نرضى به، بل إنه يجعل من إعادة بنائه هي المهمة التي كلفنا بها.

وبعد الوعي تبدأ مرحلة العمل، فالأمر لا يقتصر على المعرفة فقط، فمسؤولياتنا وواجباتنا تتضاعف طردًا مع ازدياد معرفتنا وفقهنا بالأمور والمهام المكلفين بها.

أما عن وقود الإصلاح، فهو بلا شكّ الصبر ثم الصبر، فبينما الصالح يكون محبوباً ومرغوباً من قِبل الجميع، فالمصلح يكون منبوذًا وأغلب الناس تعاديه؛ لأن ما يدعو إليه قد لا يناسب أهوائهم ومصالحهم الدنيوية، فيكون الصبر هنا دافعًا للمصلح على المضي في طريقه.

وقد أخبرنا الله في كتابه أيضًا أن القرى الظالمة قد تهلك، ويقطع دابرها، وتقلب على من فيها حتى وإن كان فيها أناس صالحون لا يعصون ربهم! فتوانيهم وتخاذلهم عن الفاعلية والإصلاح لهو سبب رئيسي في هلاكهم، ولعبد مصلح خير من ألف عبد صالح.

ولكن هل هذا العمل والنضال بالأمر الهين؟ بالطبع لا، ولكننا كمسلمين وبما أن أهدافنا وغاياتنا لا تقتصر على الحياة الدنيا فقط، بل نتطلع لحياة أخرى أسمى وأبقى، فسيصبح الإصلاح من أولى المبادئ التي توجه دفّة حياتنا، ولا ننسى قوله تعالى: (من عملَ صالحًا من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحييّنه حياةً طيبة ولنجزيّنهم أجرهم بأحسنِ ما كانوا يعملون).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء
عرض التعليقات
تحميل المزيد